الصفحة 1659 من 1760

الإنسان: {ويذرون وراءهم يومًا ثقيلًا} أي يتركون خلف ظهورهم التفكير في مصيرهم يوم القيامة نتيجة كفرهم بالله بمعنى أنهم لم يلتفتوا ولم يهتموا بأمر الحساب والعقاب فلم يؤدوا من الطاعات ما يدخلهم الجنة ولم ينتهوا عما يؤدي بهم إلى النار وهم مخطئون في هذا فإن حبهم للعاجلة لم يكن ليمنعهم من تذكر فضلنا عليهم وخوفهم منا إذ أننا: {نحن خلقناهم وشددنا أسرهم} شد الشيء أوثقه وقواه وأسرهم أي مفاصلهم أو معدتي البول والغائط إذا خرج الأذى تقبضت ولا يسترخيان قبل الإرادة: {وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلًا} أي أن الله الذي خلقهم وهيمن على جميع جوارحهم وحركاتهم وسكناتهم هو وحده الذي يمكنهم من بلوغ جميع ملذاتهم العاجلة وهو القادر على إهلاكهم والاستغناء عنهم وتبديلهم بخلق آخر أفضل منهم يؤمنون بالله ولا يعصونه غير أن مشيئته تعالى قد قضت بخلق الجنة والنار ولذلك أعطى الناس الحرية في العقيدة والقول والعمل وجعل لهم الخيار في اتباع السبل الموصلة إلى أحدهما ومن أجل هذا أمد لهم في الحياة ولم يهلكهم ولم يبدلهم بمن هم خير منهم: {إن هذه} السورة من أولها إلى آخرها بما فيها من بيان الحكمة في خلق الإنسان وما أعطي له من كامل الاختيار: {تذكرة} للناس أجمعين تنبههم إلى ما قضت به مشيئته تعالى من نظام قضائه وقدره ومدى مسئولية الناس عن أعمالهم في الآخرة. ولما كان هذا الموضوع من الموضوعات الشائكة التي كانت سببًا في زلل المسلمين وانقسامهم إلى جبرية وقدرية ومعتزلة وأدى إلى تزلزل العقيدة وفهمها فهمًا خاطئًا جعل الكثير من الناس وخصوصًا منهم العوام والسذج يعتقدون بأن الإنسان في الحياة مسير لا مخير وحمل المستشرقين وهم من أبعد الناس عن المعرفة بحقائق الإسلام على أن يطعنوا في الإسلام ويقولوا عنه أنه دين الجبرية الذي يقرر بأن الإنسان لا يستطيع أن يتقي ما هو مقدر عليه من الأزل مهما حاول ومهما عمل وقد هداني ربي إلى حل لهذه المشكلة حلًا سليمًا يقوم على أساس العقل والدين وفصلته في رسالتي: «هل الله مستبد» وكتابي «أسمى الرسالات» ، وأعتقد أن السبب في كل ذلك يرجع إلى خلط المفسرين بين مشيئة الله وإرادته وقضائه وقدره وأمره وعلمه ولم يفرقوا بينها متأثرين في ذلك بما جرى عليه واضعو كتب اللغة من دلالة الكلمات على عدة معان وترادف بعضها ببعض ولهذا أشكل عليهم فهم حقيقة القضاء والقدر وعندي أنه إذا جاز لنا أن نأخذ بما جاء في كتب اللغة في تخاطبنا فإنه يجب أن نلاحظ أنه بالنسبة لكلام الله وأحكامه جل وعلا لا بد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت