أن يكون هناك فارق ولو بسيط في التمييز بين المعاني المقصودة من الكلمات فلكل كلمة في القرآن مدلولها ومرماها وإن غم علينا شيء فالله أعلم بمراده منها لذلك يجب أن نجزم أن المشيئة غير الإرادة وهذه غير العلم وأن المشيئة معناها أحكامه التي يحمل المخلوقات عليها حملًا يقال في اللغة أشاءه على كذا ألجأه إليه وشيّأته على الأمر حملته عليه وهي تشمل جميع ما يحبه الله وما يكره فكلاهما داخل تحت مشيئته وهذه المشيئة هي الدستور الإلهي الذي وضعه الله بما يتلاءم مع استعداد وقدرة جميع المخلوقات للسير بمقتضاه والذي أذاعه على عباده لينفي عن ذاته العلية صفة الاستبداد والظلم ويمنع بمقتضاه الفوضى والعدوان على الحقوق ويؤاخذ الناس بأعمالهم بحسب مراده وأحكامه وينقسم هذا الدستور إلى قسمين اثنين أمر كوني قدري وأمر ديني شرعي الأول يسمى قضاء وهو أحكام قاطعة تتعلق أزليًا بأشياء مؤقتة يقدر لها بداية ونهاية كالخلق والتكوين والحياة والموت والتذكير والتأنيث وما إلى ذلك وقد استأثر الله تعالى بالعلم بهذا القسم ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه فلا يسأل عنه الإنسان ولا يتعلق به حساب ولا عقاب.
الثاني: ويسمى القدر وهو أحكام معلقة ومقدرة بشرط أو شروط لا تنفذ إلا بتوافرها وهي تتعلق بأعمال العباد في حدود ما وضعه تعالى من أنظمة كونية وسنن مطردة وقواعد كلية وأعمال إيجابية أعلنها للناس في كتبه وعلى ألسنة رسله وجعل لهم كامل الحرية في أن يتخيروا ما يشاءون وأخبرهم بنوع الجزاء الذي يترقب على فعلها من خير أو شر وسعادة أو شقاء وجنة أو نار فهو سبحانه إذ قدر أن سقى الأرض بالماء من شأنه أن ينبت الزرع وأنت الحيوان يوجد من البيضة أو النطفة فذلك من سنن الله التي لا محيص عنها وهو إذ قدر أن النار تحرق والسم الكثير يقتل فلا راد لهذا القدر وهو إذ يجعل من العمل ما يكون وسيلة للرزق وسبيلًا للسعادة فلا بد أن يكون لكل مجتهد نصيب وهو إذ يخبرنا بأن من سلك سبيل الضلال فجزاؤه جهنم ومن أحسن فله الجنة فلا بد من ذلك فهذه الأحكام الشرطية التي هي بمثابة القوانين العامة تعد قدرًا وتنفيذ مقتضاها الذي هو بمثابة الحكم يسمى قضاء أيضًا وأما الإرادة فإنها اسم يوضع موضع الارتياد ومحلها الرأس أو القلب فهي بمعنى الرغبة المضمرة والخفية بالنفس يقال أراد الشيء إذا عزم عليه أو عني به قبل أنة ينفذه ومتى تجاوزت إلى حد التعبير عنها بالقول كانت طلبًا أو إلى حد التنفيذ كانت مشيئة وعلى هذا فإن إرادة الله الحقيقية سر من أسراره الخفية التي لا يعلم بها أحد سواه وهي