الصفحة 1723 من 1760

الصناعات لنيل الرزق وراحة الجسم فإذا ثبت هذا لديه ثبت له بالتالي أن الله هو الذي خلقه، ولذا خاطبه المولى بقوله: {أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} أي فما يكون له أن يغتر بنفسه ويحسب أنه من القوة بحيث لا يقدر على جزائه أحد؛ بل إن الأمر بالعكس فمن كان دائم العمل متعبًا من تحمل المشاق فأقل شيء يؤذيه وقد تصرعه نملة أو ذبابة فهو مغرور بنفسه متطاول حتى على الله بكسبه وما ملكت يداه: {يَقُولُ أَهْلَكْتُ} أي أنفقت: {مَالًا لُّبَدًا} أي كثيرًا في سبيل الله: {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ} ملائكة الله الكرام الكاتبين الذين يدونون كل ما ينفق، وسواء أعلم بوجود الملائكة الذين يرونه أو لم يعلم فهو لا يستطيع أن يجحد ما سيلقى عليه من السؤال التالي: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ} أي أنه لا ينكر أن الله هو الذي جعل هذه الحواس أداة للنظر والنطق فهي لا تخفي على خالقها كل أعمال الإنسان بل إنها إنما خلقت لتكون رقيبة على جميع حركاته وسكناته،: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} النجد المرتفع من الطرق التي يصعب ارتقاؤها والمراد بهما طريق الخير والشر إشارة إلى أن في كل من الطرفين وعورة وصعوبة مسلك أي أنه تعالى أودع في فطرة الإنسان التمييز بين الخير والشر وجعل له من عقله ووجدانه ما يشجعه على المضي في أي سبيل يختاره لنفسه: {فَلا اقْتَحَمَ} أي فهلا أقدم بشدة على تذليل كل شاق: {الْعَقَبَةَ} الطريق الصعب في أعلى الجبال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ} إنها مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وما يسول له شيطان الإنس والجان من عقبات في سبيل رضاء الله وهذا إنما يكون بأحد أمرين أولهما: {فَكُّ رَقَبَةٍ} جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: عتق النسمة وفك الرقبة قال: يا رسول الله: أوليسا واحدًا قال: لا» عتق النسمة أن ينفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها وبهذا يكون المراد الإسهام في تحرير البشر من رق العبودية لغير الله، وثانيهما: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} أي شدة القحط والمجاعة وهو اليوم الذي يحرص فيه كل إنسان على ادخار القوت ويتطلع إلى ارتفاع أثمان السلع واغتنام الفرص لزيادة الثروة ويثقل عليه فيه عمل الخير والمراد بهذا عدم احتكار الأرزاق في أوقات المجاعة على الناس الذي لا يخلون عادة من أحد فريقين: {يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ} القربى في الأصل قربي النسب ولكن الإسلام قد اعتبر المسلمين جميعهم إخوة وأوصى بالجار حتى ظن أنه سيورث: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} أي يفترش التراب من عظم فاقته: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} أي أنه يثاب على ما فعل من هذه الأعمال متى آمن يؤيد هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت