الصفحة 1733 من 1760

بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَه (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)

سورة العلق: بعد أن بين الله في السورة السابقة ما اقتضته مشيئته تعالى في خلق الإنسان ومدى مسئوليته عما يصدر منه من عمل أراد سبحانه أن يثبت فضله العظيم على الإنسان من أول عهده بالحياة إلى أن يبلغ منتهى الكمال وكيف أنه يقابل كل ذلك بالكفران فأشار في هذه السورة إلى أن العلم الذي هو أغلى شيء للإنسان في الحياة ما هو إلا منحة من الله يهبه لمن يسلك السبيل إليه عن طريق التعلم كما يهبه تعالى أيضًا لمن يريد من غير هذا الطريق وضرب المثل على هذا بما كان من أمر عبده محمد العربي ذلك الفتى الأمي الذي لم يسبق له أن تلقى العلم على أحد قط؛ بل إنه نشأ بين قوم أميين لا يقرءون ولا يكتبون ومع ذلك فقد أوتي ملكة العلم وملكة القراءة من غير تعلم وبغير وسائل التعليم المتعارفة وفي وقت متأخر من العمر لا يمكن للمرء أن يدرك فيه العلم عادة وهو سن الأربعين ولذا استهل هذه السورة بذكر الطريقة التي نال بها نبيه العلم فأشار إلى أول محادثة جرت بينه وبين جبريل عليه السلام إذ وافى محمدًا وهو منقطع بغار حراء يتطلب الهداية من مولاه إلى ما فيه رضاه فقال له الملك: اقرأ فأجابه أيضًا بقوله: «ما أنا بقارئ» أي إني أمي لم أتعلم القراءة ولا الكتابة من أحد فأخذه الملك فغطه أي عصره عصرًا شديدًا حتى بلغ منه الجهد غايته ثم أرسله وقال له: اقرأ فأجابه بقوله: «ما أنا بقارئ» أي لست من طائفة القراء فكيف تطالبني بشيء أجهله فأخذه فغطه للمرة الثانية حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله وقال له: اقرأ فأجابه بقوله: «ما أنا بقارئ» أي أنا لا أعرف ماذا أقرأ وكيف أقرأ فأخذه وغطه للمرة الثالثة وقال له: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} وهذا أول خطاب نزل به الوحي على الرسول ومعناه كن قارئًا بأمر الله القادر على كل شيء الخالق لجميع الكائنات من العدم فلا غرابة إذا جعل منك قارئًا وإن لم يسبق لك تعلم القراءة والكتابة: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} العلق الدم الجامد ويراد به حالة الجنين في الأيام الأولى لخلقه فمن كان قادرًا على أن يخلق من هذا الدم إنسانًا كامل الخلقة مكونًا من لحم وعظم وعروق وأنواع كثيرة مما بداخل الإنسان لا يعجزه قطعًا أن يجعلك قارئًا بعد أن كنت أميًّا وقد دلَّنا هذا على أن جبريل عندما غط نبينا تلك الغطات الثلاث أكسبه منه ملكة العلم التي هي قوة من قوى الله الخفية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت