الصفحة 279 من 1760

موسى (والإنجيل) على عيسى (من قبل) أي قبل تنزيل القرآن ليكون (هدى للناس) إلى ما فيه خيري الدنيا والآخرة (وأنزل) على الناس قوة يستطيعون بها (الفرقان) أي التفرقة بين الحق والباطل وهو - العقل - قال صلى الله عليه وسلم: «قوام المرء العقل، ولا دين لمن لا عقل له» وإنزال ذلك هنا من قبيل إنزال الحديد في قوله تعالى - وأنزلنا الحديد - لأن كل ما كان عن الحضرة الإلهية يسمى عطاؤه إنزالًا أو تنزيلًا (إن الذين كفروا) بعد كل هذا (بآيات الله) الدالة على وحدانيته ووجوب إفراده بالعبادة سواء ما كان منها في الكتب المنزلة أو المخلوقات العظيمة في هذا الوجود وأسرار الكائنات (لهم عذاب شديد) عقابًا لهم على عدم تدبرهم في تلك الآيات والاهتداء بها والعمل بمقتضاها (والله عزيز) لا يخشى أحدًا (ذو انتقام) ينتقم بسلطان عزه وجبروته من كل من خالف آياته وعصى أوامره.

بعد أن أنذر الله الكافرين بآياته بعذاب شديد أراد أن يشعرهم بأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء من أمر كفرهم سواء كان ظاهرًا أما باطنًا فقال (إن الله) مالك جميع القوى الخفية في هذا الوجود (لا) يمكن أن (يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء) لأنهما ممتلئتان بمختلف القوى ذات الخواص المختلفة التي لا يعلم عددها ومزاياها غيره سبحانه وتعالى وكل حركة أو سكون لا تكون إلا بواسطة إحدى تلك القوى وهو عالم بها وبما تستعمل فيه وما يستنفد منها و (هو الذي يصوركم) بصور مختلفة وأجزاء متغايرة في الشكل والطبع والصفة (في) ظلمات (الأرحام) جمع رحم: مستودع الجنين في أحشاء المرأة، بدقة متناهية (كيف يشاء) أي بالصفة والشكل الذي يختاره جل وعلا كامل التكوين أو ناقصه أبيض أم أسود فلا يخفى عليه شيء من أسراركم ودخائل أمركم (لا إله إلا هو) خلق كل شيء فأحسن خلقه وعلم من أمره ما كان وما يكون وهو (العزيز) بسلطانه (الحكيم) في تصرفاته.

بعد أن أكد الله في أوائل هذه السورة أنه سبحانه هو الذي نزل على نبيه الكتاب بالحق أراد أن يخبر نبيه بأنه هو الذي قضت حكمته بتنزيل القرآن بنصه الحاضر منه ما هو صريح واضح المدلول مفهوم معلوم، ومنه ما يدل على معنى لا يسلم العقل أو الشرع بانصرافه إليه ليمتحن بذلك مبلغ الإيمان في قلوب المؤمنين، فيقع في الزلل قصار النظر من المشككين وترفع بالقول الثابت درجات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت