الصفحة 280 من 1760

الموقنين حيث قال (هو) الله الذي تفرد بالألوهية (الذي أنزل عليك) أيها الرسول (الكتاب) القرآن بنصه المنزل على لسان جبريل (منه) بعضه (آيات محكمات) تنصرف إلى المعنى المراد منها من غير احتمال ولا اشتباه (هن أم الكتاب) الأصل الذي عليه العمدة وإليه يرد غيرها من المتشابهات (وأخر) البعض الآخر من الآيات (متشابهات) ذهب المفسرون إلى أن المراد بها ما لا تفهم معانيها كأوائل السور وعندي أن المراد منها آيات تدل على معان لا يمكن صرفها على مجرد الظاهر أو هي محتملة لمعان متشابهة لا يمتاز بعضها عن بعض في تحقيق المراد بها، وليس من حق العبد ترجيح بعضها على الآخر (فأما الذين في قلوبهم زيغ) من قصار النظر وضعاف الإيمان (فيتبعون ما تشابه منه) ويأخذون هذا اللفظ المتشابه على ظاهره ويتعلقون به من غير تطبيق على المعنى المحكم (ابتغاء الفتنة) وذلك كأن يتخذوا من إثبات بعض صفات الله سبحانه جل قدره مثلًا وسيلة للتجسيم ولو ناقض ذلك محكم الآيات التي تنص على أنه «ليس كمثله شيء» بقصد إضلال العباد وفتنتهم في عقيدتهم (وابتغاء تأويله) أي ولأجل أن يكون لهم ميدان للحدس والتخمين لمعرفة حقيقة ما تئول إليه، وتقدير ما يوافق أهواءهم ويؤدي، إلى إبطال صريح القول وتعطيل ظاهر اللفظ، كحمل تلك الصفات على غير حقيقتها، والتحكم في مراد الله منها، كأن يقال إن المراد باليد القدرة وبالعين العلم مع أنه إذا كان هذا حقًا فما كان يعجز الله أن يصرح بهذا (وما يعلم تأويله إلا الله) أي والحال أنه لا يمكن لأحد من البشر أن يعلم بحقيقة ما تئول إليه تلك الألفاظ غير الله وحده منزل الكتاب فما يكون لإنسان مهما بلغت درجته من العلم أن يدرك حقيقة ما يريده إنسان آخر من بعض أقواله فكيف بأقوال رب العالمين وما يكون للمخلوق أن يعلم ما يقصده الخالق مما وصف به نفسه ولا أن يتصور حقيقة كنه صانعه، وما يكون لمخلوق أن يكيف صفات الخالق، أو أن يعين الكيف من استوائه على عرشه، لأنه عبد لم يرتفع إلى صفات الخالق، والعرش مخلوق له، وقائم بقدرته (والراسخون) أي المتمكنون (في العلم) ذهب كثير من الصحابة وفي مقدمتهم السيدة عائشة إلى ضرورة الوقوف عند لفظ الجلالة وجعل قوله «والراسخون» كلام مستأنف، ورأى بعضهم الوقوف عند لفظ «العلم» ورجحه كثير من العلماء المتأخرين ويقولون إن ابن عباس كان يقول إنه من الراسخين في العلم وإنه يعلم تأويله - وهذا لا يتفق مع نظم الآية لأن «أما» في قوله تعالى «فأما الذين في قلوبهم زيغ» تقتضي وجود من يقابلهم وهم بلا شك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت