الصفحة 281 من 1760

«الراسخون في العلم» الذين لا يجرءون على إنكار ظاهر اللفظ، ولا يشغلون أنفسهم بتأويله أو تحريفه، لأن رسوخهم في العلم يجعلهم ينظرون إلى هذا المعنى الظاهر الذي يتشكل في الذهن باعتباره وصفًا للبشر، فيجزمون بأنه غير مراد الآيات بتاتًا، لأن الله جل وعلا «ليس كمثله شيء» في ذاته وصفاته فهو فرد صمد، ليس له نظير، وصفاته وإن تعددت فإنها حق ولكنها لا مثيل لها ولا نظير، ونحن عاجزون حائرون في معرفة حقيقة الروح الموجودة فينا، المكلفة بإدارة أجسامنا، وتصور شكل النفس التي تهيمن علينا وكيف تتوفى بالليل، وكيف ترسل بالنهار، وكيف تكون بعد الموت، وكيف يحيا الشهيد المرزوق عند ربه، ونحن لا نعلم شيئًا عن ذوات الملائكة والجن وحركاتهم وسكناتهم، فكيف نستطيع أن نتصور خالق كل ذلك، وإذا كانت نفس الإنسان غير مماثلة لجسمه في الأوصاف والحركات والسكنات، فكيف يجوز لنا أن نتصور صفات الله سبحانه وتعالى وأفعاله كصفات الجسم وأفعاله، وإن كانت الملائكة وهم مخلوقون من نور، والجان وهم مخلوقون من نار، لا تماثل صفاتهم وأفعالهم صفات الإنسان وأفعاله، فالله سبحانه وتعالى أعظم مباينة لمخلوقاته من مباينة الملائكة والجان للآدميين، فإن كليهما مخلوق، والمخلوق أقرب مشابهة للمخلوق، وليس من شبه بين المخلوق والخالق جل وعلا في صفاته واستوائه ونزوله وسائر أفعاله، فالبعد في الشبه بين المخلوقات وخالقهم واضح من غير لبس ولا حاجة إلى بحث أو استقصاء.

ولذلك فإنهم لا ينكرون ما وصف الله به نفسه، ولا يشبهونه بخلقه، بل لا يرون فيما وصف الله به نفسه تشبيهًا، لأن الاشتباه في اللغة لا يحصل بالتسمية، وإنما تشبه الأشياء بنفسها أو بهيئات فيها كالبياض بالبياض، والسواد بالسواد والطويل بالطويل والقصير بالقصير، ولو كانت الأسماء توجب اشتباهًا لا اشتبهت المسميات كلها لشمول اسم الشيء لها، وعموم تسمية الأشياء به، فكما أن الله موجود ولا يوجب وجوده الاشتباه بينه وبين الموجودات، فكذلك هو حي وسميع وبصير ومتكلم، ولا يلزم من ذلك اشتباهه بمن اتصف بهذه الصفات من المخلوقات، وعليه فإنهم (يقولون آمنا به) سلمنا وصدقنا بالكتاب بقسميه المحكم منه والمتشابه باعتباره وحدة لا تتجزأ، يفسر بعضه بعضًا، ويوضح محكمه متشابهة (كل من عند ربنا) كل منهما صادر منه سبحانه وتعالى، فهو حقيقة لا مراء فيها فلا ينبغي أن نصدق بشيء دون شيء، ولا أن ننزه الله عما وصف نفسه به

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت