الصفحة 282 من 1760

في كتابه، فنثبت لله ما أثبته لنفسه ونجريها على ظواهرها، ونعتبرها دليلًا على كمال الذات وجميل الصفات مع مراعاة ما في القرآن من آيات محكمة نزلت في تنزيهه عن المشابهة للحوادث، فننزهه عن الشبيه، وننزه صفاته عن صفات المخلوقات، إذ الكلام عن الصفات فرع عن الكلام في الذات، وإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكيف، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات صفات أثبتها الله لنفسه، فلا نقول إن معنى اليد «القدرة» ولا إن معنى السمع والبصر «العلم» كما يقول علماء الكلام ولا نقول إنها جوارح وأدوات لأفعال معينة، كما يقول المجسمة فإنها في نفس المخلوقات قد لا تؤدي ذلك العمل ذاته، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل لقوله تعالى «ليس كمثله شيء» بل كما يليق بجلال الله بلا تكييف ولا تشبيه (وما يذكر) هذه الحقيقة ويعقلها (إلا أولوا الألباب) الذين إذا أثبتوا لله صفة فإنما يثبتونها له كما يليق بجلاله وكما يريد لذاته تعالى لا كما يريد بالخلوقين من عباده من هذه المرئيات المحدودة المعلومة وهذه هي عقيدة السلف الصالح رضوان الله عليهم وهي أسلم وأحكم لا كما يزعم بعضهم من أن عقيدة الخلف التي تجاري ما يقوله علماء الكلام أحكم ولذا يلقنونها للناس وسيحملون وزرها ووزر من يقول بقولهم إلى يوم القيامة أما أصحاب العقول النيرة والإيمان القوي الراسخ فإنهم إلى جانب هذا الإيمان والتسليم يدعون ربهم بقولهم (ربنا) ثبتنا في عقائدنا و (لا تزغ قلوبنا) بشبه المبطلين (بعد إذ هديتنا) إلى الإيمان بآياتك وتقديس ذاتك عما يشينها من التجسيم والتشبيه والتعطيل (وهب لنا من لدنك رحمة) تستر بها ما يبدو لنا من قصور، وما يصدر من ذنوب، فنحن بالعجز موصوفون، وبمواضع الزلل محاطون، ولا تكلنا إلى أعمالنا (إنك أنت الوهاب) فلا غرو إذا كان طمعنا في رحمتك عظيمًا (ربنا إنك جامع الناس) بعد موتهم (ليوم) معلوم (لا ريب فيه) أي في مجيئه واجتماع الناس فيه للحساب والعقاب (إن الله لا يخلف الميعاد) فما أخبر الله بوقوعه فيه من جنة ونار لا يمكن خلفه، وهذا إنما يضاعف الرغبة في طلب الرحمة منة من الله وكرمًا.

بعد أن بين الله ما يقوله الراسخون في العلم وما يدعون ربهم به من الرحمة وما حكاه عنهم من اعترافهم بالبعث وعدم خلف الله للوعد أراد أن يبين حال الكافرين بآياته فقال: (إن الذين كفروا) بآيات الله واتخذوا منها وسيلة للفتنة والضلال (لن تغني) أي تنفع وتجدي وقرئ «يغني»

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت