فهرس الكتاب
ومختلف الأسلحة المدمرة فإنه (قد كان لكم) فيما سمعتم من حوادث التاريخ (آية) عظمى تدلكم على أن النصر لا يكون لكثرة العدد ووفرة العدة بل هو كما قال تعالى «وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم» وذلك في (فئتين التقتا) تقابلتا يوم بدر إحداهما (فئة) وقرئ «فئة» بالخفض والنصب قليلة مؤمنة بأن النصر من عند الله ولذلك فهي (تقاتل في سبيل الله) مدفوعة إلى ذلك بباعث ديني، ومقصد سام، وتحت تأثير عقيدة قوية تستند إلى مداد الله ونصره وتثق بمعونته وحسن جزائه في الآخرة (وأخرى) أكثر منها (كافرة) لا تؤمن بقدرة الله بل تعتمد على مجرد قوتها المادية وجبروتها وتقاتل مسخرة لمجرد الهوى والطغيان أو التوسع والعدوان (يرونهم) أي يرى المقاتلون في سبيل الله الفئة الكافرة وقرئ «تَرَونهم» و «تُرَوْنهم» و «يُرَونهم» (مثليهم) فعلًا (رأي العين) ومع ذلك فإنهم لم يبعثوا بتلك الظاهرة لهم وأقدموا على مقاتلتهم اعتمادًا على ما لديهم من قوة الإيمان والثقة بنصر الله (والله) الذي قضت سنته في خلقه أن يجعل الغلبة في جانب القوة (يؤيد بنصره) في النتيجة (من يشاء) فاعل يشاء عائد إلى من يشاء النصر من عباده بسلوك السبل المؤدية إليه دون الاعتماد على مجرد القوى المادية التي لا تعدو أن تكون مجرد وسائل للنصر عادة قد تخطيء وقد تصيب، إذ الغلبة في الواقع ما هي إلا بإذن الله الواحد القهار، ولولا ذلك لما أقدمت الأقلية على مقاتلة الأكثرية في يوم من الأيام (إن في ذلك) أي تأييد الله لمن يشاء تأييده من العباد ولو كانوا في منتهى الضعف والقلة (لعبرة) وموعظة (لأولي الأبصار) النيرة التي تخترق ما وراء السجف بقوة التأمل والتفكير، فتلمس القدرة الإلهية وهي تعمل لنصر الضعيف على القوي بطرق وأسباب لم تكن في الحسبان، وهذا ما يحتم عليها الإيمان بقوة الله وعظم سلطانه.
وتجعلنا نثق بنصر الله لنا أكثر من ثقتنا بمعداتنا وقوتنا ما دمنا متبعين لدستوره الذي سنة لنا والذي يقضي بأننا إذ نشكو تألب خصومنا علينا، ونريد لأنفسنا النصر، فمن واجبنا أن نتبع السبيل الذي رسمه لنا ديننا، لنضمن لأنفسنا النصر على أعدائنا، فالله سبحانه وتعالى الذي أمر المؤمنين بالأخذ بأسباب القوة أمرهم بأن لا يجعلوا اعتمادهم عليها لنيل النصر، بل لمجرد إرهاب الخصوم، على حد قولنا، الاستعداد للحرب يمنع الحرب حيث قال «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم» وأما النصر فإنه لا يكون في الواقع إلا بمحض