الصفحة 362 من 1760

الأعمال مؤيدة لذلك والبراهين قائمة إذن {فذوقوا العذاب} الذي أنذرتم به من قبل {بما كنتم تكفرون} جزاء على الكفر بالله ورسله واليوم الآخر: {وأما الذين ابيضت وجوههم} بسبب ما قدموا في الحياة من الإيمان والعمل الصالح {ففي رحمة الله} كانوا مغمورين بها في الدنيا و {هم فيها خالدون} في الآخرة ينعمون بأثرها وهو كما قال ابن عباس «الجنة» {تلك} الأوامر التي أمرت بتبليغها كدستور سماوي {آيات الله} المنزلة منه {نتلوها عليك بالحق} الذي لا مراء فيه لتنذر به الناس أجمعين، ومن أنذر فقد أعذر، ولا عذر لمن لم يعمل بها {وما الله} في سنه للسنن ووضعه للنظم وإنزاله للشرائع التي تربط الأسباب بالمسببات وتقضي بالتحليل والتحريم والجزاء والعقاب {يريد ظلما للعالمين} وإنما يريد استقامة شئون العالم وضمان عمار الكون على أحسن حال لئلا يطغى الظلم وتسود الفوضى ويعم الخراب والدمار، فإذا هم أساءوا فهم ذلك وامتنعوا عن تطبيق الأحكام وأمعنوا في مخالفاتها فقد حل بهم ما حل من البلاء في الدنيا والعقاب في الآخرة إقامة للعدل وتنفيذًا للنظم وتحقيقًا لما جاء فيها من مواد الجزاء فلا يلومون إلا أنفسهم، {ولله ما في السماوات وما في الأرض} فهو مالك الملك الحاكم العدل واضع السنن ومرتب الأحكام، العليم بجميع ما يحصل فيها من كل صغيرة وكبيرة {وإلى الله ترجع الأمور} في الآخرة، فهو الذي يتولى تطبيق العقوبات وتنفيذ الأحكام في خلقه، وهو الذي يملك حق استعمال الرحمة مع من يريد، فإن عاقبهم سبحانه وتعالى على أعمالهم فبعدله، وإن عفا عنهم فبرحمته لا معارض لحكمه ولا مانع لكرمه وجوده.

بعد أن بين الله ما سيكون من حساب من اسودت وجوههم وتبليغهم ما صدر في حقهم من حكم مقرون بالحيثيات، وقال عن الذين ابيضت وجوههم إنهم في رحمة الله هم خالدون أشار هنا إلى أنهم عدا ذلك سيمجدون وتطرى أعمالهم التي استحقوا بها ذلك النعيم المقيم حيث يقال لهم {كنتم} فيما سبق من أيام حياتكم {خير أمة أخرجت للناس} فقد أكمل الله لكم دينكم وأتم عليكم نعمه ورضي لكم الإسلام دينًا وشرفكم برسالة سيد الخلق وخاتم الرسل وجعل عصركم عصر الحضارة والعلم ونضوج الأفكار ورقي المدارك وقد شكرتم لله هذه المنة حيث كنتم {تأمرون} الناس {بالمعروف} فتفيضون الهدى وتزكون النفوس {وتنهون عن المنكر} فتمنعون المظالم وتقضون على الشرور {وتؤمنون} إلى جانب هذا {بالله} وحده النافع الضار المتصرف في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت