جميع الكائنات فلا تخافون غيره ولا تأخذكم في دينه لومة لائم، فهنيئًا لكم بما صنعتم ونعم عقبى الدار.
ثم أعاد سبحانه وتعالى الخطاب للمؤمنين تتمة للآيات السابقة فقال {ولو آمن أهل الكتاب} مثل إيمان من ذكر فجهروا بالحق الذي يعلمونه من كتبهم بصدق رسالة هذا النبي الكريم محمد بن عبد الله وعملوا على تأييده واتبعوا أحكامه {لكان خيرا لهم} ونالوا ما ناله أولئك الذين ابيضت وجوههم من النعيم والتكريم {منهم} من أهل الكتاب، ويراد بهم اليهود {المؤمنون} حقًا ولكنهم من القلة والضعف بحيث لم يستطيعوا الجهر بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلكم أنتم الذين هاجرتم مع الرسول وآويتموه ونصرتموه في حال ضعفه حيث لا محل للملق والنفاق {وأكثرهم الفاسقون} الذين انصرفوا عن الدين إلى ملاذ النفس وغواية الشيطان وخالفوا في ذلك ما لديهم من الكتب المنزلة، وهؤلاء الذين لا دين لهم {لن يضروكم} في دينكم ولن يزعزعوا من إيمانكم ما دمتم متمسكين به {إلا أذى} باللسان كإلقاء الشبه في الإسلام والتعريض به والحط من قيمته وطمس مبادئه أو إظهار كلمة الكفر كقولهم: الله ثالث ثلاثة، وعزير ابن الله، فكل هذا قد يسيء المسلم الصادق ولكنه لا يغير شيئًا من إيمانه، {وإن يقاتلوكم} وإن يعمدوا إلى حربكم لكسر شوكة الإسلام وإطفاء نوره واستئصال جذور المسلمين فلن يفلحوا في ذلك بل إنهم في النتيجة {يولوكم الأدبار} خائبين مهزومين كما تجلى ذلك أثناء حربهم مع مصر باشتراكهم مع إنجلترا وفرنسا أخيرًا في بورسعيد. {ثم} هم {لا ينصرون} عليكم في حالة السلم لأسباب ثلاثة: السبب الأول لأنهم قد {ضربت عليهم} من الله الذي جعل العزة له جل وعلا ولرسوله وللمؤمنين {الذلة} المهانة فلن يظفروا بالحكم والسيطرة {أين ما ثقفوا} في أي زمان ومكان وجدوا {إلا} بإحدى حالتين لا ثالث لهما، إحداهما {بحبل من الله} وهو الإسلام أي إلا أن يسلموا فيتحرروا من الذلة {و} الحالة الثانية {حبل من الناس} وهو العهد أو التأمين: أي إلا أن يمكنهم الناس من ذلك إما بواسطة ما يعقدونه معهم من المعاهدات ويسنونه من الأنظمة والقوانين التي تسوي بينهم في الحقوق وتجعل لهم شيئًا من الامتيازات وإما بتنازل المسلمين لهم عن تلك العزة التي كتبها الله لهم بترك واجب الجهاد الذي فرضه الله عليهم والإخلال بواجبات دينهم وهذا ما حصل وأدى إلى استيطان اليهود في فلسطين العربية ولولاه