لظلوا مشردين في الآفاق {و} السبب الثاني لأنهم {باءوا بغضب من الله} ومن غضب الله عليه لا يمكن أن ينصره على من يحبه جل وعلا {و} السبب الثالث لأنهم {ضربت عليهم} من الله {المسكنة} حرموا من العزة النفسية، ذلك لأن عزتهم إنما تعتمد على ما قد يكون لديهم من وسائل القوة المادية فحسب بخلاف المؤمنين فإن عزتهم تستند إلى القوة الروحية الموجودة فيهم عن طريق صلتهم بالله الذي وعدهم بالعزة فلن يذلوا ما تمسكوا بوعده وأطاعوا أمره بإعداد ما استطاعوا من القوى المادية {ذلك} ما ذكر من أسباب عدم نصر الله لهم {بأنهم} بسبب أنهم {كانوا} من قبل {يكفرون بآيات الله} ويناصبونه العداء {ويقتلون الأنبياء} الذين كانوا يدعونهم إلى الهدى {بغير حق} سبب موجب لذلك القتل إلا أنهم كانوا رسلًا من عند الله {ذلك} ما أصابهم من نقم الله {بما عصوا} أي هو نتيجة العصيان {وكانوا يعتدون} وجزاء الاعتداء على الحقوق، وأهمها حقوق الله.
بعد أن أخبر الله أن أهل الكتاب منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون عقب على ذلك بما يشير إلى أن المؤمنين على الإطلاق لا يستوون في الدرجة لمجرد الإيمان، بل يمتاز بعضهم عن بعض بالعمل الصالح حيث قال {ليسوا} أي المؤمنون بالله {سواء} في درجة واحدة، فإن {من أهل الكتاب} وهو عام يشمل التوراة والإنجيل والزبور والقرآن {أمة قائمة} ثابتة في عقيدتها اتصفت بخمس صفات: الأولى أنهم {يتلون آيات الله} تلاوة تدبر {آناء الليل} في خشوع وسكينة {وهم} من تأثير تلك الآيات في قلوبهم {يسجدون} لله لا يفترون كناية عن دوام الطاعة. والصفة الثانية أنهم {يؤمنون بالله} حق الإيمان ويعرفونه كمال المعرفة ويحبونه وافر الحب ويحمدونه فائق الحمد، فيأتمرون بأمره وينتهون عن معاصيه ويرجون ثوابه ويخشون عقابه {واليوم الآخر} فيتزودون له بصالح الأعمال في هذه الحياة. {و} الثالثة أنهم {يأمرون} كل من قدروا عليه {بالمعروف} وهو ما أمر الله به. {و} الصفة الرابعة أنهم {ينهون} الناس أجمعين بكل ما يستطيعون {عن المنكر} وهو ما حرمه الله عليهم {و} الصفة الخامسة أنهم {يسارعون} يجدّون برغبة {في} عمل {الخيرات} حرصًا على الحصول على أكبر قسط منها قبل فوات الأوان بدنو الآجال {وأولئك} من توفرت فيهم هذه الصفات هم عند الله {من الصالحين} لنيل درجة الكمال الإنساني ومرتبة المقربين إليه سبحانه وتعالى الذين سيغدق عليهم سبحانه من وافر نعمه أضعاف ما يستحقون، أما غيرهم ممن