لم تتوفر فيهم هذه الصفات فلا يمكن أن يساووهم في الدرجة ولكنهم لن يهضموا ما قد يكون لهم من عمل صالح {وما يفعلوا} وقرئ بالتاء بدل الياء {من خير} ابتغاء وجه الله {فلن يكفروه} أي لابد أن يجدوا جزاءه سواء في الدنيا عن طريق ما سنه الله من سنن تربط الأسباب بالمسببات أو في الآخرة بحسب ما وعد الله عباده العاملين {والله عليم بالمتقين} لا يخفى عليه ما تكنه القلوب من التقوى فيجزل عليها الأجر من وافر كرمه.
بعد أن أخبر الله عن المؤمنين من أهل الكتاب أنهم ليسوا سواء، وأن الصالحين منهم هم الذين يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون إلخ أراد سبحانه أن يشير إلى ما أنعم به على الكفار منهم من مال وبنين، ليحذر المؤمنين من التطلع إلى ما لديهم منهما في الحياة مما يعد بهجة للناظرين، فأكد لهم أن كل ذلك لا يعدو أن يكون متاعًا مؤقتًا وعرضًا زائلًا لا ينتفعون به النفع الحقيقي في الحياة الدائمة فقال {إن الذين كفروا} بالله ورسوله فلم يكن هدفهم في الحياة العمل لمرضاه الله بشيء مما سبق من تلاوة آياته والإكثار من عبادته والثقة به والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل نظروا إلى الحياة نظرة مادية محضة وعملوا للدنيا وحدها {لن تغني عنهم أموالهم} التي كانوا يجدّون في جمعها وينعمون بها في الحياة الدنيا {ولا أولادهم} الذين يشغلون بحبهم عن حب الله وبمرضاتهم عن طاعة الله ومرضاته وكانوا يعتزون بهم في الحياة {من} عقاب {الله} وعذابه {شيئا} فلا يقبل منهم قولهم: شغلتنا أموالنا وأهلونا عن ذكرك وواجب طاعتك، بل إن هذا الجواب نفسه سيكون هو سر شقائهم وعذابهم {وأولئك} الذين كفروا بالله وشغلوا بالدنيا عن الآخرة {أصحاب النار} الذين يخبر الله منذ الآن أنهم أصحاب الحق فيها وأنها أعدت خصيصًا لهم {هم فيها} في النار {خالدون} دائمون بغير عودة إلى الدنيا مرة أخرى وقد بين الله السبب في هذا بقوله {مثل ما} كانوا {ينفقون} من أموال أنعم الله بها عليهم {في هذه الحياة الدنيا} فلم ينفقوها في سبيله بل سخروها في شهواتهم وملذاتهم {كمثل ريح فيها صر} أي شديد البرودة يمن الله به على عباده في أيام الشتاء لتكون بهجة لنفوسهم، ولكنها {أصابت} فيهم {حرث} زرع {قوم} غاشمين {ظلموا أنفسهم} في ذلك الحرث بزرعه في غير موسم الزرع مخالفين في ذلك ما سنه الله من سنن وما ألهمهم من تعاليم {فأهلكته} لضعفه وعدم قدرته على تحمل البرد {وما ظلمهم الله} بتلك الريح الباردة التي أعدها الله لتكون سبيلًا للسعادة والهناء {ولكن} بسكون