أحد يوم السبت للنصف من شوال فمشى على رجليه وجعل يصف أصحابه للقتال قائلًا لهم اثبتوا في هذا المقام فإذا عاينوكم ولوكم الأدبار فلا تطلبوا المدبرين ولا تغادروا مكانكم.
وهنا أخذ الحقد يغلي في قلب عبد الله بن أبي بن سلول وشق عليه لضعف إيمانه أن يعمل الرسول بغير مشورته ثم ينتصر فقال لأصحابه إن محمدًا إنما يظفر بعدوه بكم وقد وعد أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا فيتبعونكم فيصير الأمر على خلاف ما قاله محمد بن عبد الله. فلما التقى الفريقان انهزم عبد الله بن أبي بن سلول بالمنافقين وتجلى للنبي ما كان من نتيجة استشارته له في الأمر - وكانوا ثلث جيش المسلمين - وثبت الباقون وعددهم نحو سبعمائة في مواقفهم فهزموا المشركين، غير أنهم لما رأوا تقهقر العدو، وكان الله قد بشرهم بذلك حسبوا لأنفسهم شيئًا من التأثير في ذلك، ونسوا ما أوصاهم به الرسول من عدم مطاردة المدبرين وأرادوا أن يجهزوا عليهم فتبعوهم وتركوا المواضع التي أمرهم الرسول بملازمتها. فأراد الله سبحانه وتعالى أن يشعرهم بأن ما نالوه من نصر لم يكن بتأثير منهم بل هو نتيجة اتباعهم لأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم. ولما أن خالفوه نزع الله ما كان في قلوب المشركين من رعب فكروا عليهم وتفرق الجيش عن رسول الله وشج وجهه الشريف وكسرت رباعيته وشلت يد طلحة دونه، ولم يبق معه غير أبي بكر وعلي وطلحة وسعد وقال الناس إن محمدًا قد قتل فوقع ذلك في نفوس الكثير من المسلمين فانهزموا وكسرت قلوبهم وفر بعضهم حتى بلغ المدينة ولكنه لم يدخلها.
وصاح أنس بن النضر فيمن بقي من الفلول المنهزمة ماذا تصنعون بالحياة بعد محمد فقوموا وموتوا على ما مات عليه ثم استقبل الناس وقال إني لأجد ريح الجنة من دون أحد وكرّ يقاتل حتى قتل، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أول من عرفه كعب بن مالك فصاح بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمع إليه المسلمون ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه وثبتوا هنالك حتى صرف الله المشركين عما كانوا يريدونه من استئصال المسلمين فلم يتعقبوهم وعادوا أدراجهم وعاد النبي وأصحابه إلى ميدان المعركة فجمعوا القتلى وتولوا أمر تكفينهم بأثوابهم ودفنهم ولم يغسلوهم ولم يصلوا عليهم، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم فرسه وأمر المسلمين أن يصطفوا فاصطفوا خلفه واصطف خلفهم