الصفحة 385 من 1760

يروى أن بعض السلف غاظه غلامه غيظًا شديدًا فهمَّ بالانتقام منه فذكره الغلام بقول الله تعالى {والكاظمين الغيظ} فقال كظمت غيظي! فقال {والعافين عن الناس} فقال عفوت عنك، قال {والله يحب المحسنين} فقال اذهب فأنت حر لوجه الله.

5 - {والذين إذا فعلوا فاحشة} يتعدى أثرها إلى الغير كالغيبة والزنا وما شاكلهما من الكبائر {أو ظلموا أنفسهم} بارتكاب ذنب يقتصر ضرره على فاعله كشرب الخمر مثلًا {ذكروا} أن {الله} كان مطلعًا عليهم ساعة ارتكاب الذنب وخافوا عقابه {فاستغفروا} الله {لذنوبهم} وندموا على ما فرط منهم {ومن يغفر الذنوب إلا الله} هذه جملة معترضة يؤكد الله بها قبول توبة التائبين، فكأنه يقول وكان حقًا على الله أن يقبل استغفارهم، فمن سواه جل وعلا يملك غفران ذنوبهم {ولم يصروا} بعد ذلك الاستغفار {على ما فعلوا} من الذنوب {وهم يعلمون} أي حالة كونهم على علم سابق بها فالمراد من العلم العقل والتمييز والتمكن من الاحتراز من الفواحش فيجري مجرى قوله عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاث: الناسي والمخطئ والمكره» {أولئك} أي الذين اتصفوا بما ذكر {جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} وهذا وعد من الله لن يخلفه يستطيع كل إنسان أن يطبقه على نفسه ليتبين مصيره في الآخرة منذ الآن {ونعم} هذا الأجر {أجر العاملين} لبلوغ تلك المراتب العلية.

بعد أن أمر الله المؤمنين بما أمر وحضهم على الطاعة وتجنب العصيان، أتبع ذلك بما يحملهم على الحرص على ما ذكر فأمرهم بدراسة ما سنه الله من سنن وإمعان النظر فيما أصاب الأمم السابقة من هلاك ودمار نتيجة مخالفتهم لتلك السنن دون أن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا، فقال تعالى: {قد خلت من قبلكم} في أحوال الأمم السابقة وما انتهت إليه {سنن} هي جديرة بالتأمل والاعتبار {فسيروا في الأرض} ابحثوا ونقبوا عن آثار تلك الأمم وما كانوا عليه من علم وعرفان وعظمة وسلطان وما انتهوا إليه من فناء ودمار {فانظروا} بعد ذلك {كيف كان عاقبة المكذبين} لآيات الله ورسوله في هذه الحياة الدنيا، هل أغني عنهم كل ما كان لهم من الله شيئًا؟ فهؤلاء الفراعنة الذين بلغوا من السطوة والقوة ما ادعوا به الربوبية، لقد أصبحوا الآن هم وآثارهم عرضة للأنظار وعبرة لكل معتبر، وهؤلاء قوم عاد وثمود أصبحت ديارهم قاعًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت