صفصفًا أثرًا بعد عين، ولم يبق لتلك الأمم الغابرة إلا ما احتسبوه عند الله من عمل صالح سينالون جزاءه يوم القيامة {هذا} كتاب الله بين أيديكم فيه {بيان} بما وقع من حوادث الأمم السابقة {للناس} عامة الذين يريدون السير في الأرض لاستقصاء الحوادث وتطبيقها على الشواهد {و} فيه {هدى وموعظة للمتقين} الذين يراقبون الله في كل شيء ويعلمون أنه تعالى المتصرف في جميع الكائنات، وأن له جل شأنه سننًا لا تخطئ فيسيرون في الحياة وفق هديها ويأخذون من عبر التاريخ موعظة لهم تحملهم على تجنب الوقوع فيما وقع فيه أسلافهم، أما غير المتقين ممن لا ينظرون إلى الأشياء إلا نظرة سطحية ولا يعدون الحوادث إلا أمورًا طبيعية فإنهم لا يحاولون الهداية إلى الحق عن طريق التأمل والتفكير في حقائق السنن وواضعها سبحانه وتعالى، ولا يأخذون لهم من ذلك عبرة لهم فلا يهتدون ولا يعتبرون، {ولا تهنوا} أي حذار أن يداخلكم الوهن وهو الضعف فيما إذا رأيتم لدى أعدائكم قوة أو كثرة في العدد والعدة {ولا تحزنوا} إذا أحسستم من أنفسكم ضعفًا فهذا من دواعي اليأس والهزيمة بل اعملوا للتفوق عليهم {وأنتم} في الواقع {الأعلون} الفائزون لأن الله معكم ومن يثق بنصر الله له فلن يخاف ولن يخذل ولئن قتل فإنه سيرقى إلى الرفيق الأعلى مع النبيين والصديقين {إن كنتم مؤمنين} بوعود الله المتكررة وبحقيقة الإيمان الذي يحتم عليكم الاعتقاد بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
وهذا يقتضيكم العمل لإدراك ذلك باتخاذ الأسباب ومجاراة السنن والاعتماد على الله وحده في منح النصر وهو القائل: {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} . وكونوا على ثقة بأنه {إن يمسسكم} في الحياة {قرح} بفتح القاف وقرئ بضمها وهو أثر الجراحة أو هزيمة {فقد مس القوم قرح مثله} إذ طالما هزموا هم أيضًا فهذه من سنن الله في خلقه {وتلك الأيام} قد قضت إرادتنا أن {نداولها بين الناس} فيومًا نشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين، ومرة تكون الدولة للمحق وأخرى للمبطل لتحقيق العدالة الإلهية بين الناس في هذه الحياة، وكل ذلك لحكمة يعلمها الله سبحانه وتعالى {وليعلم الله} علمًا يتعلق به الجزاء وهو العلم بالشيء بعد وقوعه، إذ أن العلم بالشيء قبل وقوعه ثابت لله جل وعلا {الذين آمنوا} اتصفوا بحقيقة الإيمان فلم يفرحوا بما آتاهم الله ولم يحزنوا على ما فاتهم فهم في حال الشدة والرخاء والنصر والهزيمة فرحون صابرون مغتبطون بما قاموا به من واجب وما أدوه من طاعة {و} لأجل أن {يتخذ} الله {منكم شهداء}