الصفحة 4 من 1760

للقرآن سلطان وقدسية على النفوس، وله من قوة التأثير ما تخر له الرءوس، ومن الأسرار الربانية ما هو محسوس وملموس، ففي القرآن من القصص الصادقة ما يصور للناس مصير الظالمين، وفضيلة التمسك بالدين، والاعتماد على رب العالمين، وفي القرآن ما يعلم الناس كيف يكون الجهاد لنصرة الحق، وما تقتضيه سنة الله في الخلق، وثمرة الثبات ونتيجة الخيانة، ومزية التوحيد وفضيلة الاستقامة، بشتى الطرق والأساليب الجذابة، وفي آيات القرآن ما هو كفيل بتذكير القلوب ببارئها، واستمالتها إلى خالقها وهاديها، لو أنها تليت على الناس على حالتها وكانوا على علم تام باللغة يمكنهم من فهمها واستخراج العبر من بين ثناياها. غير أنه بتقادم الزمن واختلاط العرب بالعجم اندرست اللغة العربية الفصحى، وجهل الناس كثيرًا من معانيها ومراميها حتى أشكل عليهم فهم مقاصد القرآن، وطرق استنباط الأحكام منه، ففسره كثير من الفقهاء في مختلف الأصقاع كل بحسب محيطه، ومبلغ علمه وتفكيره، والعصر الذي يعيش فيه، ومن الناحية التي تخصص فيها ما اشتملت عليه آيات القرآن من مختلف العلوم وفي مقدمتها علم التوحيد، أو ما يجب معرفته عن الله من الأمور الاعتقادية لقوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} وقد أجمعوا في هذا الباب على وجوب الإيمان بوحدانية الله واتصافه جل وعلا بجميع صفات الكمال، وتنزيهه تعالى عن كل ما لا يليق به من الخلال وهنا اختلفت المفاهيم في تحقيق معنى الصفات، وما لا يليق بقدسية الذات، وما يؤدي إلى الشرك من التصرفات، وترتب على ذلك اختلاف الناس في المعتقدات، وجنوح بعضهم إلى التأويل في كثير من الحالات، ومخالفتهم لقواعد اللغة في بعض الآيات، وقولهم بوجود زيادة أو نقص في بعض الكلمات وعدم تفريقهم بين معنى الإرادة والمشيئة وقولهم إنهما من المترادفات إلى غير ذلك من الأقوال التي مزجوها بالحقائق القرآنية، فترتب عليها عدة أغلاط اجتهادية، في الشريعة الإسلامية، أدت إلى تزلزل العقيدة في قلوب المسلمين في موضوع القضاء والقدر، وانقسامهم إلى عدة فرق، كالقدرية والجبرية والمعتزلة وغيرهم ممن ينزه الله عن الظلم ولكنه يجيزه في حقه إذ يقول في تفسير قوله تعالى: {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} إن له تعالى أن يعذب الطائع ويثيب العاصي مما يتنافى مع عدل الله جل وعلا وشرعه الذي أعلنه للناس، حتى كأنه لا تنفع معه الطاعة ولا يوثق بوعده فقد يقلب العابد بمحض المشيئة من الإيمان للكفر، ويدخل النار من يشاء من غير وزر، فثبطوا بهذا الهمم عن صالح العمل، وشككوا الناس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت