الصفحة 587 من 1760

على سبيل المفاخرة هو في حكم صدور القتل منهم فيعد جريمة عليهم (وَ) إن كانوا في الواقع (ما قتلوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) بعينه وذاته (وَلَكِنْ) عندما هموا بقتله (شُبِّهَ لَهُمْ) بالآخر فقتلوا ذلك المشبه فراحوا يفاخرون ببلوغ غايتهم بقتله (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ) أي في حصول القتل فعلًا بعد ذلك من اليهود القائلين بأنهم قتلوه (لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) نظرًا لأنهم عندما نظروا إلى القتيل وجدوه يشبه عيسى في الوجه والملامح ولكنه يختلف في الجسد فأخفوا ذلك الاختلاف فيما بينهم وأذاعوا قتله وصدقهم النصارى وأيقنوا جميعًا بأن اليهود قد صلبوه

(مَا لَهُمْ بِهِ) أي بالقتل (مِنْ عِلْمٍ) ثابت (إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) الناشئ عن إجماعهم على إرادة القتل وإقدامهم عليه واختفاء عيسى عن الأنظار من تلك اللحظة ولذا أوضح الله لهم فساد هذا الظن ببيان الحقيقة بقوله (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) أي والحقيقة أن القتل لم يحصل قطعيا ولم يمت عيسى وإن هموا به ونفذوه في شبهه أما كيف اختفى وأين ذهب بعد الصلب فأجاب عليه تعالى بقوله (بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ) إلى موضع لا يزاول فيه أداء الرسالة ثم سيعود ثانيًا للحكم بشريعة خاتم النبيين كما أخبرنا الرسول بهذا صلى الله عليه وسلم (وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا) لا يقهر إذ أنقذ عبده ورسوله عيسى من القتل (حَكِيمًا) إذ اختار رفعه بعد أن وفى عمله أداء من الرسالة إلى الحين الذي سيعود فيه ثانيًا لأمر يريده جلا وعلا (وَإِنْ) من أحد (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) ممن يكون موجودًا عند عودته من اليهود والنصارى والمسلمين (إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ) وقرئ (سيومنن) بحذف الهمزة (بِهِ) أي بأنه حقا لم يقتل ولم يصلب وأنه كان حيًا خلال الفترة السابقة (قَبْلَ مَوْتِهِ) أي قبل أن يموت عيسى كما يموت سائر البشر (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) بما كانوا يضمرونه له من عداوة وما دبّروه له من القتل الذي أنجاه الله منه ويؤيد هذا أن الله تبارك وتعالى قال في آية أخرى (يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي) ولم يستعمل الله عز وجل الوفاة في القرآن بمعنى الموت أبدًا بل لقد صرح بالتفرقة بينهما وجعل الوفاة للنفس والموت للبدن حيث قال (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى) فوفاة عيسى هي بمثابة إمساك مؤقت لنفسه بفقدان استعدادها وقيامها بوظيفتها وشعورها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت