الكتب السماوية الأولون نتيجة رسوخهم في العلم والآخرون لأن شريعتك تنص على هذا صراحة فلا سبيل إلى تطرق الشك إلى أذهانهم (وَالْمُقِيمِينَ) وقرئ (المقيمون) (الصَّلَاةَ) عطف على المجرور قبله والمعنى يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ويؤمنون بالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء الذين شرعوا إقامة الصلاة بوحي من الله حيث قال تعالى في حقهم (وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة) لا يفرقون بين أحد منهم (وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) عطف على جملة الراسخون وما بعدها أو أنه كلام مستأنف يراد به تأييد ما قضت به مشيئة الله من أن العبرة في الثواب بالعمل كما أن العقاب مرتب عليه فيكون المعنى والباذلون أموالهم للفقراء تزكية لنفوسهم وتقربا إلى الله (وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي وكانوا من المؤمنين ولعل هذا هو الأقرب لأنه ليس الموضوع موضوع تعداد لأركان الإسلام وإلا لأضاف إليهما حج البيت والسياق الذي نحن بصدده هو بيان أحوال أهل الكتاب في عصر النبي صلى الله عليه وسلم. فبين أولا أن إيمان خيارهم بما أنزل إليه مساو لإيمان عامة المسلمين ثم ثنى بالعمل الصالح الذي لا بدَّ منه ولما كان من شأنهم ما حكاه في أول الآية من الصد عن سبيل الله وأخذهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل اكتفى جل وعلا بأهم أنواع العبادات المالية وهو إيتاء الزكاة مع الإيمان بالله واليوم الآخر وختم الموضوع بقوله (أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ) وقرئ (سيؤتيهم) في الآخرة (أَجْرًا عَظِيمًا) على كل صغيرة وكبيرة من أعمالهم في الحياة الدنيا.
بعد أن خفف الله على نبيه ما يجده في نفسه من التأثر لموقف اليهود منه ومن سؤالهم له أن يريهم الله جهرة بما حكاه من موقفهم مع نبيهم موسى من قبل وما طبعوا عليه من عنت وعناد أخذ جل وعلا يعرض بذكر السبب الذي من أجله يقاومون الرسل ويتعنتون معهم في الطلبات وهو إنكارهم للوحي يأتي من عند الله مع أنه أمر طبيعي مألوف نزل على جميع الأنبياء وأخبروا به أتباعهم ولم يكن الرسول بدعا في الأنبياء بنزول الوحي عليه حيث قال (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) أيها الرسول القرآن (كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ) وهو أول نبي شرع الله على لسانه الأحكام
(وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ) المجمع على نبوته عند أهل الكتاب أجمعين وعند العرب أيضا