الصفحة 627 من 1760

والحال أن الله الذي أدعو إليه هو المتصرف في جميع الكائنات العلوية والسفلية أما السبب الذي دعاكم إلى تأليهه وهو أنه خلق من غير أب فقد رد الله عليه بأن هذا من أكبر الأدلة على قدرة الله إذ قال (يخْلُقُ مَا يَشَاءُ) من جميع الأحياء بالصفة والوسيلة التي يريدها ما دام هو الخالق الفرد الصمد والمالك الذي يتصرف في ملكه كيف يشاء (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو الذي سن السنن

وسبب الأسباب فلا يعجزه أن يغيرها ويوقف مفعولها في أي وقت يريد لا معارض لحكمه (إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون) ولقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو أهل الكتاب إلى الله ويحذرهم نقمته فتصدى له جماعة منهم ابن أبي وبحري بن عمرو وشماس بن عدي وقالوا له ما تخوفنا يا محمد نحن والله أبناء الله وأحباؤه فأنزل الله فيهم (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) وكان اليهود فعلا يعتقدون أنهم شعب الله الخاص ميزهم لذاتهم عن سائر البشر فهو لا يعاملهم إلا كما يعامل الوالد أبناءه ويعتقد النصارى أن المسيح قد فداهم بنفسه وأنهم أبناء الله بولادة الروح ولذلك يخاطبون الله دائما بقلب الأب. ولذا أمر الله رسوله أن يرد على قولهم هذا بما يصحح هذه العقيدة فيهم عن طريق العقل والمنطق السليم فقال (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ) الله (بذنوبكم) في هذه الحياة الدنيا كما تعلمون من تاريخكم الماضي وما ترون في تاريخكم الحاضر بل وكيف رضي بعذاب المسيح وهو ابنه كما تزعمون فالأب لا يعذب ابنه والمحب لا يعذب حبيبه فلستم إذًا أبناء الله ولا أحباءه ولم يكن عيسى ابنه أيضا (بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ) لا تفاضل بينكم وبين غيركم من سائر مخلوقات الله الذين سن لهم نظاما لا يخلفه هو أنه تعالى (يَغْفِرُ) في الآخرة (لِمَنْ يَشَاءُ) لنفسه المغفرة بطلبها في الدنيا عن طريق الإيمان بالله والعمل الصالح (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) لنفسه العذاب بالكفر بالله والإعراض عن طاعته وعدم الخوف من عذابه (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) وجميع ذلك ملك لله تعالى فلا محل لأن يحابي أحدًا على أحد فيلغي من أجله دستوره العام (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون) (وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما) فلا حبيب ولا محبوب والكل عبيد الله خاضعون خاشعون بين يديه ولا بدّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت