الصفحة 629 من 1760

بعد أن أخبر الله رسوله عن سر كفر النصارى واليهود وما يتبجحون به من سيئ الأقوال وفاسد المعتقدات أردف ذلك بذكر شيء من مساوئهم التي لم يكن يعلم بها من قبل وفي مقدمتها كفرهم بنعم الله ومصادمة سننه وعدم الانصياع لأوامره التي فيها خبرهم حيث قال (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ) بعد أن أنقذهم من ظلم فرعون وقومه وحررهم من نير العبودية (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ) وقد فصلها لهم بثلاثة أمور

الأمر الأول: (إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ) لم يبعث في أمة من الأمم مثل ما بعث لكم فمنهم السبعون الذين اختارهم موسى من قومه فانطلقوا معه إلى الجبل وكلهم من أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

الأمر الثاني: قوله (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا) ليس المراد بالملك هنا الحكم والسيطرة وإلا لقال جعل فيكم ملوكًا كما قال جعل فيكم أنبياء وإنما المراد بالملك ما هو أعم من ذلك وهو سعة الرزق والتمتع بما يتمتع به الملوك من الرفاهية ورغد العيش وهو مجاز تستعمله العرب إذ يقولون لمن كان مرفها في عيش فلان ملك أو ملك زمانه أي يعيش عيشة الملوك قال الضحاك كانت منازل اليهود واسعة وفيها مياه جارية وكانت لهم أموال كثيرة وخدم يقومون بأمرهم وها هم يوصفون اليوم بأنهم ملوك المال لأن معظمهم أصحاب ثروة عظيمة.

الأمر الثالث: قوله (وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) من خوارق العادات التي أكرمهم بها الله إذ فلق البحر لنجاتهم وأهلك عدوهم وأورثهم أموالهم وأنزل عليهم المن السلوى وأخرج لهم المياه العذبة من الحجر الصلد وأظلهم بالغمام إلى غير ذلك من الآلاء التي لم يقدروها حق قدرها وقد طلب منهم موسى إثر تعدادها عليهم مجاهدة أعدائهم فقال (يَا قَوْم ادْخُلُوا الْأَرْضَ) أي جاهدوا في سبيل الدخول إليها واحتلالها عنوة بما آتاكم الله من قوة (الْمُقَدَّسَةَ) أي المباركة روى بن عساكر عن معاذ بن جبل «أن الأرض المقدسة ما بين العريش إلى الفرات» وروى عبد الرازق وعبد بن حميد عن قتادة «أنها الشام» وإن كان المشهور عند الناس أنها فلسطين التي بها بيت المقدس (الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ)

أي التي وعد الله بها إبراهيم بالسكن فيها حيث جاء في سفر التكوين إنه لما مر إبراهيم بأرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت