فهرس الكتاب
لأخيه هابيل والحسد يتأجج في قلبه إذ يرى من هو أصغر منه سنًا أسعد حظًا (لَأَقْتُلَنَّكَ) لما أعطاك الله من نعمة تميزت بها علي مع أننا جميعًا كنا مشتركين في التقرب إلى الله (قَالَ) هابيل بما آتاه الله من علم وتقوى لا داعي للحسد والقتل فإن ما تراه لدي من نعمة دلتك على قبول الله قربتي من دونك إنما يرجع إلى مادة من مواد دستور الله الأزلي وهي (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) فحاسب نفسك واتق الله في سرك يتقبل الله قربانك ويفيء عليك بمثل ما أفاء به علي من النعم ثم إنه أراد أن يلقنه درسًا في التقوى التي كانت سببًا في قبول قربانه ويظهر له منتهى الاستسلام ليكسر شوكة الحقد في قلبه ويغرس فيه خوف الله فقال (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي) أي وأنت تقصد قتلي (مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ) أي سوف لا أهم بقتلك رغم ما أعلنته من سبق الإصرار على قتلي وأخذك بأسباب ذلك (إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) المطلع على السرائر وأخشى أن يعذبني على نية السوء ولو كانت بقصد الدفاع عن النفس بل (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي) أي بما أنا مثقل به من ذنوب (وَإِثْمِكَ) الذي يترتب عن قتلي وغيره مما سبق منك من ذنوب (فَتَكُونَ) بما حملت من الإثمين (مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) أي الذين أعدت
النار خصيصًا لهم فقد روي أن الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات المظلوم وحملها عنه (وَذَلِكَ) هو (جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) الذي اقتضاه عدل الله فحذار أن تكون منهم وقد نصحتك فافعل ما بدا لك فلم يتعظ بقوله ولم يخش الله فيه (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ) أي فشجعته على (قَتْلَ أَخِيهِ) تحت تأثير الحسد الكمين فيها (فَقَتَلَهُ) عمدًا مع سبق الإصرار (فَأَصْبَحَ) بعمله هذا الذي سن به سنة الإجرام والقتل العمد (مِنَ الْخَاسِرِينَ) إذ ظلت جثة القتيل ملقاة على الأرض تشهد بظلم قابيل لأخيه ونقمة والديه وأخواته عليه وظل هو في حيرة من أمره كيف يستر جريمته وإساءته عن الأنظار وهنا تجلت صفة من صفات الله تعالى على عبده وهي «الستر» (فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ) أي يحفر بيديه (فِي الْأَرْضِ) إلى جانب القتيل كأنه يبحث عن شيء بها وقابيل ينظر إليه (لِيُرِيَهُ) الله (كَيْفَ) ينبغي له أن يفعل حتى (يُوَارِي) في باطنها (سَوْأَةَ) وهي تطلق على العورة وعلى الفضيحة لقبحها وعلى الجثة لاشمئزاز الناس منها (أَخِيهِ) وعندئذ اهتدى إلى ما يطلب وأدرك أنه كان من السذاجة في درجة تجعله