بعد أن علم الله رسوله الطريقة التي ينبغي أن يسير عليها في معاملة خصومه ومخالفيه من الكفرة المعاندين، أخذ يلقنه من الأقوال ما يقطع به كل أمل لهم في تشكيك المسلمين وعودتهم إلى ما كان عليه آباؤهم من الشرك وعبادة غير الله فقال {قل} أيها الرسول لكل من لا يؤمن برسالتك ويريد منك أن تظل على ما كان عليه قومك من الشرك وعبادة الأوثان {أندعو} أي أتريدون منا أن نشرك في دعائنا {من دون الله} الذي يسمع النداء ويجيب الدعاء {ما لا ينفعنا ولا يضرنا} من الأحجار والأموات التي لا تسمع ولا تبصر ولا تملك نفع نفسها أو ضرها فكأنكم بهذا تريدون منا أن نتجرد من عقولنا {ونرد على أعقابنا} أي نتقهقر إلى الوراء فنضحي بعزتنا وكرامتنا فهذا ما يتنافى مع العقل ومع الكرامة {بعد إذ هدانا الله} بالإسلام إلى السبيل السوي المؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة فيكون مثلنا {كالذي استهوته} وقرئ «استواه» بالألف ممالة أي ذهب بهواه وعقله {الشياطين} وهي مخلوقات خفية من فصائل الجن جبلت على الأذى. ومن طبع الشياطين أن يندسوا في النفوس ويوسوسوا لها الشر ويحببوا إليها فعل السيئات. قال صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان ليجري في الإنسان مجرى الدم» فيجعله {في الأرض حيران} أي مترددًا بين الأمرين. وقد وضح الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله على ذلك، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان» . انظر ص 86 جزء 30 {له أصحاب يدعونه إلى الهدى} أي في حين أن له من الإنس من يدعونه إلى الهدى ويرشدونه إلى أقوم السبل التي سنها الله ويقولون له {ائتنا} أي انضم إلى صفوفنا تكن من الناجحين. فلم يصغ لدعوتهم ولم يستجب لندائهم مستسلمًا لاستهواء الشياطين له. ونحن بما أوتينا من عقل وفهم نعيذ أنفسنا أن نكون مثل هؤلاء {قل} أيها الرسول {إن هدى الله} الذي رسمه لعباده في كتبه وعلى لسان رسله {هو الهدى} الذي يجب أن يتبع لا ما يأتي عن طريق العقل فقط {وأمرنا} بطلب هذا الهدى {لنسلم لرب العالمين} أي لأجل أن نسلم قلوبنا ونوجهها لله وحده بالإذعان له والخضوع لدينه والإخلاص في عبادته {وأن أقيموا الصلاة} أي وأمرنا بإقامة الصلاة بمعنى المواظبة عليها {واتقوه} أي مع ملازمة التقوى بمعنى اتقاء ما يترتب على مخالفة دين الله وشرعه {وهو} أي