التي منها الإحراق فلم يعبأ بذلك {قال أتحاجوني} بتشديد النون وقرئ بتخفيفها أي أتعادوني وتتوعدوني بأنواع الأذى {في الله} أي سبب دعوتي إلى الله {وقد هدان} إلى معرفته والإيمان به إيمانًا لا يقبل الشك والارتياب حتى أصبحت أثق كل الثقة بأنه لا نافع ولا ضار سواه، وهذا من أعظم المنن التي لا يعادلها شيء في الحياة، فلا أعبأ بتهديداتكم {ولا أخاف ما تشركون به} من الأصنام أن تصيبني بأي أذى، لأني أعلم يقينًا أنها من الجمادات التي لا قدرة لها بذاتها على إلحاق الضر بأي مخلوق {إلا أن يشاء ربي شيئًا} أي إلا في حدود مشيئة الله التي جعلت للأحجار أثرًا في الضر كأن تلقون بأصنامكم الجامدة عليَّ فتشجني وتحطمني بما أودعها الله من تلك الخواص، لا لأنها بذاتها ومشيئتها تستطيع أن تؤثر في ذلك الأثر، فالتأثير إذا لله ربي لا لأصنامكم. ومع ذلك فقد {وسع ربي كل شيء علمًا} فلا يخفى عليه ما تدبرونه ضدي من مكائد في إمكانه جل وعلا إحباطها وإبطال آثارها {أفلا تتذكرون} هذه الحقيقة الثابتة وهي أن هذه الأصنام التي تعبدونها ليس لها مشيئة خاصة ولا تملك أي نفع أو ضر، وأن السلطة الغيبية العليا إنما هي لله وحده وليس لغيره تأثير فيها معه ولا تدبير، حتى الأشخاص الذين جعلهم الله سببًا في النفع أو الضر في الظاهر لا يستطيعون أن يؤثروا ذلك الأثر إلا بما يهب الله لهم من قوة الروح التي تمكنهم من ذلك. فلا يصح أن يرتفعوا عن رتبة المخلوقات ويكونوا أربابًا ومعبودات تقصد في السر من دون الله {وكيف أخاف} بطش {ما أشركتم} من الأصنام التي لا تأثير لها بذاتها بل بما قدر الله لها من قوى {ولا تخافون أنكم أشركتم بالله} الذي هو صاحب السلطة الغيبية والقوى المعنوية الخفية {ما لم ينزل به عليكم سلطانًا} أي ما لم يأتكم أمر من الله تستندون عليه فيما تزعمونه لها من تأثير أو نفع وضر، وهذا لا وجود له فهو باطل {فأي الفريقين} : فريق الذين هداهم الله إلى الإيمان به تعالى مسبب الأسباب والقادر على وقف مفعولها، أم فريق الذين جمدت أفكارهم في حدود المادة فنسبوا كل شيء إلى السبب دون المسبب {أحق بالأمن} على نفسه من عاقبة عقيدته وعبادته {إن كنتم تعلمون} أي إن كنتم من أهل العلم والبصيرة النيرة. وهنا سكت القوم عن الجواب مفحمين، فأوحى الله إلى إبراهيم فصل الخطاب في هذا بقوله {الذين آمنوا} بالله وحده القادر على كل شيء {ولم يلبسوا} أي يخلطوا {إيمانهم بظلم} أي ما ينقضه من الشك والتردد بمعنى أن يكونوا أقوياء الإيمان بالله والثقة