الصفحة 760 من 1760

بنصره وتأييده {أولئك لهم الأمن} في الحياة الدنيا وفي الآخرة من عند الله ناصرهم ومؤيدهم {وهم مهتدون} أي وهم السائرون في الحياة على هدى من ربهم {وتلك} أي قول إبراهيم لقومه: {أتحاجونني في الله} إلى آخر الآيات {حجتنا} البالغة التي لا سبيل إلى دحضها {آتيناها إبراهيم على قومه} أي لقناه إياها ونصرناه بها عليهم {نرفع درجات} من المراتب المعنوية في العلم والجاه، والمادية من السيادة والرزق {من نشاء} إما وفق سننا وبمقتضى قدرنا، وإما بمحض فضلنا ورحمتنا لمن نقضي برفعته. لا معارض لنا في أحكامنا القدرية والقضائية {إن ربك حكيم} لا يصدر في أحكامه عن هوى بل لغايات سامية ومرام بعيدة {عليم} بسائر شئون خلقه وما يصلح عباده، كما فصله تعالى فيما كان من أمر إبراهيم مع قومه. نسأله تعالى أن يخرجنا من ظلمات الوهم، ويكرمنا بنور الفهم، ويوضح لنا ما أشكل. إنه على كل شيء قدير.

بعد أن رسم الله لنبيه سبيل نيل الهداية بذكر قصة إبراهيم، وكيف عمل لنيل الهداية بإنكاره ما كان عليه قومه من عبادة الأصنام أولًا ثم برغبته في معونة ربه عن طريق العقل ثانيًا، وما انتهى إليه أمره من إيمانه بأن هداية العقل لا تكفي، ولذلك طلبها من ربه فمنّ عليه بها وأهّله للدعوة إليه ولقنه من الحجج العقلية القاطعة ما لا يدع مجالًا للكفر بالله؛ أخذ يسرد جانبًا من نعم الله التي منّ بها على إبراهيم مكافأة له على تعلقه بربه وقوة إيمانه وإخلاصه في دعوته فقال {ووهبنا له} أي لإبراهيم {إسحاق} وإنما قدم ذكر إسحاق على إسماعيل لأنه هو الذي وهبه الله له في حال كبر سنه ويأس امرأته سارة لعقمها جزاء لإيمانه وإحسانه وبعد ابتلائه بذبح ولده إسماعيل واستسلامه لأمر ربه في الرؤيا مع أنه لا ولد له سواه ولذلك قال تعالى في سورة الصافات {وبشرناه بإسحاق نبيًّا من الصالحين} {ويعقوب} ابن إسحاق {كلًّا} منهما {هدينا} كما هدينا إبراهيم من قبل وآتيناهما مثله الحكمة وقوة الحجة. وفي هذا إشارة إلى أن إكرام الله للعبد الصالح قد يستمر في أبناء الأبناء {ونوحًا} الذي هو جد إبراهيم {هدينا من قبل} أي أن الهداية قد انحدرت لإبراهيم من جده الذي نال الهدى بمحض فضل منا إذ جاءته الرسالة من غير طلب منه إذ أوحى الله إليه قوله: {أن اهد قومك} وقل لهم {إني نذير مبين ألا تعبدوا إلا الله} فصدع بالأمر وثابر في دعوته تسعمائة سنة دون كلل أو ملل برغم معاجزة قومه له وقولهم {يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} وتهديدهم إياه أخيرًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت