الصفحة 761 من 1760

بالرجم إذ قال: {لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين} الأمر الذي حمله في آخر الأمر أن يصنع الفلك وينجو بنفسه ومن معه من المؤمنين. وقد كافأه الله على ذلك بأن اختصه وإبراهيم بهداية البشر حيث قال: {ولقد أرسلنا نوحًا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب} منفردين ومجتمعين واعتبرهما كشخص واحد، وذكر أربعة عشر نبيًّا من نسلهما، غير مخصصين ولا مرتبين على حسب تاريخهم وأزمانهم، وقسمهم إلى ثلاثة أقسام، بحسب ما يجمعهم من رباط. فقال: {ومن ذريته} أي ذرية نوح وما تفرع عنه ممن آتاهم الله الملك والنبوة، وجمع لهم بين متع الدنيا وسعادة الآخرة، فأحسنوا التصرف فيما أنعم به عليهم، ولم تشغلهم مباهج الحياة عن واجب الدعوة إلى الله، وهم {داود} الذي أغدق عليه من نعيم الدنيا الشيء الكثير وسخر له الجبال والطير وألان له الحديد {وسليمان} ابنه الذي أورثه الله الملك والنبوة، وعلمه منطق الطير، وسخر له الريح تجري بأمره، وأخضع له الجن والشياطين. وكانت حياتهما سعادة مستمرة لا ينغصها شيء {وأيوب} الذي كان أميرًا غنيًا عظيمًا محسنًا ولكنه ابتلي إلى جانب هذا بكثير من المصائب والبلايا فكان صابرًا وشاكرًا في الحالين {ويوسف} ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الذي أنعم الله عليه بالنبوة، وابتلاه بأنواع من البؤس والنعيم والفتن والمؤامرات فصمد لها صمود الراسيات حتى نال الحكم وواسع السلطان {وموسى وهارون} اللذين نالا الحكم والسلطان على بني إسرائيل، ولكنهما قاسيا من عنتهم الشيء الكثير، ومع ذلك فقد وجدا لذة الحياة في الدعوة إلى الله {وكذلك} أي بمثل ما آتينا هؤلاء الرسل من متع دنيوية وأخلاق مرضية وملك وسلطان {نجزي المحسنين} على إحسانهم، فمنهم من يقضي حياته في سعادة كاملة خالية من الشدائد والمنغصات، ومنهم من يتذوق في الحياة خيرها وشرها وذلها وعزها، ومنهم من يكتفي من نعيمها بتحمل أرزائها وعظيم مسئولياتها ويدخر جزاءه في الآخرة. ومن الأنبياء من امتازوا بشدة الزهد في الدنيا والإعراض عن لذاتها والصدوف عن مباهجها واعتزال أهلها، وكانت العبادة أكبر همهم، فاعتبروا عنوانًا للصلاح والتقوى. وقد أشار إليهم الله بقوله {وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل} هؤلاء الأنبياء الأربعة كانوا {من الصالحين} من الصلح خلاف التخاصم أي من المسلمين الذين كانت مهمتهم في الحياة مقصورة على مجرد الدعوة فقط من غير تطلع إلى استعمال القوة، ومن الأنبياء من لم يكن لهم شيء من الملك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت