والسلطان ولم يعرفوا بالزهد في الدنيا والإعراض عن لذاتها بل كانوا يكثرون من مخالطة الناس وقلوبهم مع الله. ولذا فضلهم الله على أقوامهم لجمعهم بين العمل للدنيا والآخرة. وقد أشار إليهم سبحانه وتعالى بقوله {وإسماعيل واليسع} وقرئ «الليسع» بتشديد اللام وسكون الياء على وزن الضيغم. أحد أنبياء بني إسرائيل {ويونس ولوطًا وكلًّا} من هؤلاء الأنبياء الأربعة {فضلنا على العالمين} لقد جاء في كتب اللغة أن المراد بالعالم كل ما سوى الله. واستدل العلماء من هذا على تفضيل الأنبياء على الملائكة. غير أن ما ورد في القرآن حكاية عن قوم لوط لنبيهم: {أولم ننهك عن العالمين} وقوله عن إبراهيم عليه السلام: {ونجيناه ولوطًا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} وهي أرض الشام لا يدل على ذلك بل يتعين أن يكون المراد بالعالمين ما سوى الله من البشر. فيكون المعنى أن الأنبياء قد فضلوا على غيرهم من الناس {ومن آبائهم} من للتبعيض. أي وكذلك بعض آباء الأنبياء {وذرياتهم وإخوانهم} قد فضلناهم على غيرهم من الناس {واجتبيناهم} اصطفيناهم أي خصصناهم ببعض مميزات من نعم الله {وهديناهم إلى صراط مستقيم} أي وجهناهم دائمًا إلى خير السبل التي لا اعوجاج فيها {ذلك} أي الهدى إلى صراط مستقيم هو {هدى الله} الذي هو فوق هداية سائر الحواس والعقل والوجدان {يهدي به} أي يرشد بواسطته الله {من يشاء} الهداية بطلبها منه والعمل لنيلها {من عباده} المعترفين بعبوديتهم له وأنه هو الله وحده مصدر الهدي الصحيح {ولو أشركوا} أي ولو فرض أن أولئك المهديين المجتبين، على ما لهم من منزلة عند الله، دعوا الناس إلى عبادتهم مع الله {لحبط} أي بطل وسقط {عنهم} ثواب {ما كانوا يعملون} لأن توحيد الله هو أساس كل طاعة فإذا زال الأساس انهار ما بني عليه {أولئك} أي من سبق ذكرهم من ذرية إبراهيم ونوح هم {الذين آتيناهم} أي حصرنا فيهم {الكتاب} فلم ننزله على أحد من غير ذريتهم {والحكم} العدل الذي لا يخطئ. أما غيرهم من الناس فأحكامهم اجتهادية قد تخطئ وقد تصيب {والنبوة} فلا نبي من غيرهم {فإن يكفر بها} أي بهذه المنة وهي إيتاء الله لهم الكتاب والحكم والنبوة {هؤلاء} أي من وجد من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم بمعنى أنهم لم يراعوا حقوقها ولم يؤدوها واجب شكرها بالعمل بمقتضاها {فقد وكلنا بها} أي بالمحافظة عليها واتباعها {قومًا} لم يكونوا من ذرية أولئك الأنبياء من سائر الأمم وإنما اتصفوا بأنهم {ليسوا بها بكافرين} أي سلمت نفوسهم من التمرد