و {تجزون} في البرزخ {عذاب الهون} أي الذل والضعف والمسكنة {بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} أي أن المفتري على الله المستكبر عن الرضوخ لآياته ليشعر بالذل والهوان إذ يجد نفسه وحيدًا لا أنيس ولا جليس له، وقد هجره أعز الناس لديه. أما غيره فإن له من أعماله الصالحة ما يؤنس وحشته. ثم يقال لهم يوم القيامة {ولقد جئتمونا فرادى} واحدًا بعد الآخر {كما خلقناكم} وأنزلناكم إلى الأرض {أول مرة} حفاة عراة لا حول لكم ولا طول {وتركتم ما خولناكم} أي ما منحناكم إياه من حق التصرف في أبدانكم وأموالكم والانتفاع بها والاستفادة منها {وراء ظهوركم} فلم يخول لكم بعد اليوم القيام بأي عمل يستفاد منه ولا ينفعكم إلا ما قدمت أيديكم من استعمال ذلك النفوذ الذي كان لكم فيما أمرتم به من الأعمال الصالحات
{وما نرى معكم} في هذا الموقف {شفعاءكم} من الأنبياء والأولياء {الذين} أهملتم العمل بأوامر الله اعتمادًا على شفاعتهم لكم و {زعمتم} في الدنيا {أنهم فيكم شركاء} لله في السيطرة عليكم بحيث يستطيعون تخليصكم من العذاب بجاههم ووجاهتهم، ولذلك كنتم تدعونهم ليشفعوا لكم عند الله ويقربوكم إليه زلفى {لقد تقطع بينكم} بفتح النون أي ما كان بينكم من صلات وقرئ برفع النون على الفاعلية إذ البين في اللغة معناه الصلة أو المسافة الحسية أو المعنوية الممتدة بين شيئين {وضل} أي غاب {عنكم ما كنتم تزعمون} من شفاعة الشفعاء وتقريب الأولياء إذ علمتم بطلان ما كنتم تتخيلونه من نفعهم وشفاعتهم لكم فلم تجدوا لأحد في ذاته قوة يستطيع أن يؤثر بها في إرادة الله أو تنجي من عذابه.
بعد أن أشار الله إلى توقف الوحي بعد خاتم رسله وأنذر مدعيه بسوء المصير، وصور لنا ما يكون عليه حال الظالم ساعة الموت إذ تعطل مواهبه عن العمل ويوم القيامة إذ يفقد ما يكون له من أمل في شفاعة أحد؛ أخذ يعرف الناس بالله معرفة دقيقة لا يحتاجون معها إلى رسول يدعوهم إلى الإيمان به بل يكلهم إلى تدبر آياته وتحكيم عقولهم فيما سنه تعالى من أحكام قضائية وقدرية لم تكن قط قائمة على أساس الشفاعة أو تدخل أحد في شأن من الشئون أو سبب من الأسباب فهو الذي سن السنن وسبب الأسباب وإليه المرجع والمآب فقال {إن الله فالق الحب والنوى} فلق الشيء شقه أي أن الله هو الذي اقتضت حكمته أن يجعل كلا من الحب وهو بذور