الصفحة 769 من 1760

من الثمار {إذا أثمر} أي بدأت تباشير الثمر {وينعه} أي إليه عندما ينبع بمعنى يبدو صلاحه وينضج، فإن في تطور أشكاله من زهرة إلى فاكهة لذيذة شهية ما يصور لكم مبلغ قدرة الله في الخلق والتكوين {إن في ذلكم} أي ما أمرتم بالنظر إليه والنظر فيه {لآيات} دلائل عظيمة {لقوم يؤمنون} أي ينشدون الإيمان بإله يعرفونه بأعماله وتصرفاته ويثقون بقدرته وبالغ حكمته.

بعد أن عرّف الله للناس ذاته العلية معرفة دقيقة تمكنهم من الإيمان الكامل به عن طريق تحكيم العقل والمنطق السليم دون حاجة إلى توالي بعث الرسل إليهم فيما بعد أخذ يشرح بعض ضروب الشرك التي كان يدين بها بعضهم ودحضها بما يناسب عقولهم فقال {وجعلوا} أي قصار النظر من الناس {لله شركاء} ينسبون إليهم شيئًا من التصرفات، من غير أن يكون لهم دليل واحد على ذلك، وقالوا عن هؤلاء الشركاء إنهم هم {الجن} أي آلهة خفية غيبية متفرقة، إذ يزعمون أن للخير إلهًا وللشر إلهًا وقد يقصدون الملائكة بالذات لأنهم من العوالم الخفية، كما أشار إلى ذلك الله بقوله في سورة سبأ {ويوم يحشرهم جميعًا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} .

{وخلقهم} أي والحال أنه هو وحده الذي خلقهم فما كان لهم أن يجعلوا له شركاء {وخرقوا} وقرئ بتشديد الراء. أي اختلقوا كلامًا مغايرًا للحقيقة إذ نسبوا {له بنين وبنات بغير علم} أي من غير أن يكون لهم مستند على زعمهم هذا، إذ يسمي مشركو العرب الملائكة بنات الله {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل} وقد رد الله زعمهم هذا بقوله {سبحانه وتعالى عما يصفون} أي أن الله متنزه عن كل ذلك. والعقل السليم لا يمكن أن يسلم بتعدد الآلهة لما يقتضيه ذلك من تنازع السلطة، الأمر الذي يؤدي إلى الفوضى وعدم استقرار النظام، وشواهد الحال تدل صراحة على أن كل شيء في الوجود سائر بدقة ونظام عجيب لا يتطرق إليه الفساد. وقد أيد الله هذا المعنى في آية أخرى بقوله: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} كذلك لا يعقل أن يكون له ولد، لأن هذا يقتضي أن يكون له جنس يشمل جميع أفراده، ولا سيما أولاده الذين ينبغي أن يكونوا نظراء له وهو سبحانه لا مثيل له {بديع} البدع بالفتح الإنشاء والإيجاد، والإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت