ربهم يوم القيامة. ولما كانت الأقوال والأعمال الظاهرة، التي يعتمد عليها الإنسان في الحكم على الناس بالصلاح والفساد والإيمان والكفر، لا تدينهم أمام الله ولا تبرر الطعن فيهم قال تعالى: {وأقسموا بالله} أي أولئك الذين يدعون من دون الله {جهد أيمانهم} أي بأغلظ الأيمان مبالغة في تصديق الناس لهم قائلين {لئن جاءتهم آية} واحدة من آيات الله الكونية بمعنى أمر خارق للعادة {ليؤمنن بها} أي لكانت كافية لقناعتهم وإيمانهم بأنها حقًّا من عند الله لا بتأثير سواه. وهذا ما يحمل بعض المؤمنين أن يقول: هلا أنزل الله لهم هذه الآية وهو القدير عليها ليتم إيمانهم، وهنا أمر الله نبيه أن يصحح هذا الفهم في نفوس المؤمنين بقوله: {قل إنما الآيات} الدالة على الله كثيرة {عند الله} فهو وحده الذي يملكها، وسواه لا يملك شيئًا بالمرة، وإنما المهم هو اقتناعهم بها، وهذا أمر تركه الله لهم، وأعطاهم الحرية في قبوله أو رفضه {وما يشعركم} أي وما الذي يدريكم {أنها إذا جاءت} تلك الآيات وفق ما يرغبون {لا يؤمنون} بها ويصرون على عنادهم حيث يتحكم فيهم الهوى والعاطفة وتقليد الآباء. فهناك من سنن الكون وطبائع البشر ما قد يعترض طريق الإيمان {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} بحسب ما قضت به مشيئتنا في الخلق وسننًا في الحياة من أن يكون الإنسان بفطرته متقلبًا في آرائه وتصوراته.
فهو قد يرى اليوم أن هذه الآية كافية لقناعته وإيمانه فإذا جاءت، دَاخَلَهُ الشك فيها، وتواردت عليه الخواطر فيصبحون {كما لم يؤمنوا به أول مرة} أي فيكون شأنهم في عدم الإيمان بالآية عند مجيئها كشأنهم في عدم الإيمان بالله أول مرة. بمعنى أن مجيء الآيات لا يبدل ولا يغير شيئًا من سنن الله في الخلق التي تقضي بأن من رام الهدى حكم عقله واتبع السبيل الذي سنه الله للهدى، ومن أطاع نفسه وركب رأسه أصر على عناده، ولم تنفع فيه الآيات والنذر.
{ونذرهم في طغيانهم يعمهون} العمه: التردد في الأمر من الحيرة فيه، أي وقد قضت مشيئة الله في أمثال هؤلاء، ممن يتجاوزون الحد في الكفر والعصيان المشابه لطغيان الماء في الطوفان، ألا يكرههم الله على الهدى، بل يدعهم وشأنهم ليحصلوا على كامل حريتهم التي منحها سبحانه وتعالى لهم، ولينالوا بمقتضاها جزاءهم. فلا يمكن أن يرجع الله في هبته، أو يغير من دستوره الذي خلق بمقتضاه جنته وناره. {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا} ، {إنك غفور رحيم} .