لقدرة الله فإذا هم تناسوا سننه وحسبوها عوارض طبيعية فلم يعيشوا بسطوته ولم يخشوا بأسه أخذهم بغتة وهم لا يشعرون عقب على ذلك سنة أخرى من سننه في حق من آمن بالله ولجأ إليه بعد زوال المنغصات وتوفر الخيرات فقال {ولو أن أهل القرى} الذين جهلوا سنة الله في ابتلائه الناس بالأمراض من أجل الضراعة وقالوا: {قد مس آباءنا الضراء والسراء} . {آمنوا} بما دعاهم إليه رسلهم عن عبادة الله وحده والعمل بما شرعه لهم من الأعمال الصالحة {واتقوا} ما نهوا عنه من الشرك والفواحش والفساد في الأرض {لفتحنا} بتخفيف التاء وقرئ بتشديدها الفتح ضد الإغلاق {عليهم بركات} جمع بركة هي الزيادة والنماء {من السماء والأرض} جرى المفسرون على أن المراد ببركات السماء المطر وبركات الأرض النبات وسائر الأثمار إذ السماء تجري مجرى الأب والأرض تجري مجرى الأم ومنهما تحصل جميع المنافع وعندي أن الأمر لا يقتصر على ذلك فلا يعد المطر ولا الزرع في ذاته بركة وإنما البركة في نظري أمر اعتباري يضعه الله في رزق من يرضى عنه فينميه ويكثر الاستفادة منه بحيث يجعله يشعر في نفسه بلذة العيش ونعيم الحياة فيكون معنى الآية أن سنن الله قد قضت بأن الإيمان والعمل الصالح من شأنهما أن يفتحا على الناس أبواب فيوضات إلهية وأرزاق خفية تجعلهم يحيون حياة مطمئنة سعيدة لا يشعرون معها بشيء من التذمر وضيق العيش {ولكن كذبوا} هم هذه الحقيقة من سنن الله وهي أن الإيمان والتقوى يسببان حلول البركة من الله بل ربما أنكروا البركة من حيث هي وقالوا إنما هي أرزاقنا جنيناها بكدنا واجتهادنا ونحن نتنعم بثمرة أعمالنا ولا دخل لله في ذلك {فأخذناهم بما كانوا يكسبون} أي جزيناهم على أعمالهم الدنيوية بلذات تماثلها وحجبنا عنهم البركة فلم يتذوقوا ما في الإيمان والعمل الصالح من لذة ما بعدها من لذة هي طمأنينة النفس وراحة الضمير برضاء رب العالمين {أفأمن أهل القرى} أي أصحاب المدن العامرة من سائر الأمم وفي جميع الأوقات بعد ما بيناه من هذه السنن الاجتماعية {أن يأتيهم بأسنا} أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم من الأمم السابقة إذا هم ساروا بسيرتهم وجاروا سنن الله المؤدية إلى الهلاك والاستئصال {بياتًا وهم نائمون} أي ليلًا وهم غافلون بعد أن آووا إلى فراشهم آمنين {أو} بفتح الواو وقرئ بإسكانها {أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون} أي نهارًا وهم يقظون منهمكون فيما لا ينفع من الأعمال {أفأمنوا مكر الله} المكر التدبير الخفي المفضي بالممكور به إلى ما لا يحتسب وهو من الناس مذموم أما مكر الله فإنه غير