مذموم لأنه لم يكن خافيًا على الناس إذ هو السنن التي سنها الله لإنزال العقوبة بالمجرمين رحمة بهم وأعلنهم بها في كثير من الآيات التي منها قوله: {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون} .
وقوله: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين} فإذا تجاهلوها فإنما جرمهم على أنفسهم ولا يعد هذا مكرًا {فلا يأمن مكر الله} أي فلا يحسب أنه من مأمن مما قدره الله من العقوبة على المسيئين {إلا القوم الخاسرون} الذين لم يتعظوا بسنن الله وأمعنوا في المعاصي حتى كأن الله لا يعلم كثيرًا مما يعملون وقد قال الله في حقهم {وذلك ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} أما العقلاء الذين يتعظون بعبر التاريخ فإنهم لا يأمنون من حلول نقم الله بهم من فرط ما يرون من تفشي الإلحاد والكفر والعصيان في مثل هذا الأوان {أولم يهد} أي ألم يبين ما ذكر من سنة الله في العذاب {للذين يرثون الأرض من بعد أهلها} قرنًا بعد قرن وجيلًا إثر جيل {أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم} أي أن شأننا فيهم كشأننا فيمن سبقهم وهو أنهم خاضعون لمشيئتنا فلو نشاء لعجلنا عذابهم كما عجلنا عذاب من قبلهم على ما اقترفوا من سيئات فليس هناك ما يمنعنا من ذلك {ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون} أي لو نشاء لطبعنا على قلوبهم بطابع الضلال المستمر فيهم والحالة هذه لا يسمعون داعي الحق ولا يتعظون به ولكننا لم نشأ شيئًا من هذين بل اقتضت مشيئتنا في خلقنا ألا نصيبهم بذنوبهم في الحال بل نمد لهم مدًّا وأن نمنحهم كامل الحرية في طلب الهداية والعمل لها لنيلها متى أرادوا فينبغي لمن يستخلفهم الله في الأرض ويرثون ما كان لمن قبلهم من السلطان فيها أن يتقوا الله ولا يكونوا من الكافرين المفسدين وأن يعلموا أن عذاب الأمم على السيئات أمر لا بد منه وقد خلت من قبلهم المثلات وإنما يختلفون في نوع العقوبات كالذل والاستعباد من كل ما من شأنه أن يصيرهم في حكم الأموات أو السلع وسائر الجمادات، الأمر الذي لا يقل عن عقوبة الاستئصال، والأمثلة على ذلك قائمة بما أصاب المسلمين من ذل وهوان بعد ما كان لهم من عز وسلطان كذلك ما أصاب سائر الأمم التي كانت معتدة بنفسها من إحداث ما هي في الواقع إلا عقوبة من الله على السيئات أما عقاب الأفراد فإنه سيكون في يوم المعاد أجارنا الله من كل ذلك بفضله ورحمته.