الصفحة 880 من 1760

بعد أن نبه الله الأفكار إلى أن عذاب الاستئصال الذي أصاب من تقدم من الأمم كان قائمًا فيحذروا أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم مكاشفًا له عن السبب الرئيسي في ضلال أولئك القوم وما أصابهم من العذاب وما سيكون أيضًا سببًا رئيسيًا في كفر الكافرين إلى يوم الدين فقال {تلك القرى} التي مر ذكرها وتقادم العهد عليها من قوم نوح إلى شعيب {نقص عليك} الآن {من أنبائها} أي نذكر لك من أخبارها ما فيه العظة والعبرة لقومك {ولقد جاءتهم} أي أهل تلك القرى {رسلهم بالبينات} الدالة على صدق دعوتهم أي إن كل رسول جاء قومه بما أعذر به إليهم {فما كانوا ليؤمنوا} بالله وبما جاء من عنده بعد رؤية المعجزات {بما كذبوا من قبل} أي بسبب إصرارهم على ما جبلوا عليه من تكذيب الرسل وعدم تصديقهم لكل أمر لم تتسع له مداركهم قبل بعثة الرسل تمسكًا بتقليد الآباء فيما توارثوه عنهم من العقائد وسيئ الأعمال {كذلك} أي ومن أجل هذه العلة من الإصرار على تقليد الآباء برغم توافر البينات {يطبع الله على قلوب الكافرين} أي اقتضت سنة الله في أخلاق الأمم أن يأنس الكافر بما كان عليه آباؤه حتى يتمكن حبه في قلبه ويصبح عقيدة له يدافع عنها ولا يقبل فيها نقدًا ولا بحثًا شأنه في ذلك كشأن المعدن الخام إذا صهر وذاب وطبع عليه نقش ثم جمد فإنه لا يقبل نقشًا آخر إلا أن يعاد صهره ونقشه من جديد وهذا أمر يستدعي الرسل وخلفاءهم أن يبذلوا جهودًا جبارة في سبيل الدعوة إلى الله وبيان فضل الشرائع التي جاءت من عنده حتى يقضوا على ما وقر في أذهان الناس من أثر التقاليد وطبعها بطابع الدين {وما وجدنا لأكثرهم} أي أكثر المصرين على تقليد الآباء {من عهد} يؤخذ عليهم من رسلهم بالإيمان والعمل الصالح فيفون به بل إنهم لا يلبثون غير قليل حتى يعودوا إلى ما كانوا عليه إذ الطبع يغلب التطبع وإلى هذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه قالوا اليهود والنصارى؟ قال: فمن» أي فمن غيرهم.

{وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} أي أن الشأن الذي وجدنا عليه أكثرهم هو التمكن من الفسوق استجابة لداعي الفطرة وجريًا وراء تقليد الآباء وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» بما يلقيان له من تقليد آبائهم، وها نحن نعاني اليوم الويلات من جراء تقليد علماء اليوم للأئمة الأربعة وغيرهم تقليدًا أعمى دون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت