الفراعنة على المصريين عمومًا {وملئه} أي مساعديه ومعاونيه بمعنى رجال دولته ولم يقل وقومه لأن الملك ورجال الدولة هم الذين كانوا يتولون الحكم ويستعبدون بني إسرائيل لا سائر المصريين الذين لم ينجوا بأنفسهم من جبروت الملوك إذ كانوا يسخرونهم بالقوة في بناء الأهرامات {فظلموا} أي فرعون وملأه والظلم وضع الشيء في غير موضعه {بها} أي بالآيات إذ قابلوها بالإنكار والكفر بدلًا من الإيمان والقبول فكان هذا ظلمًا منهم بها {فانظر} وتدبر أيها العاقل المفكر {كيف كان عاقبة المفسدين} في الأرض بالظلم واستعباد البشر ولما كان هذا القول من شأنه أن يبعث في النفوس رغبة في معرفة تفاصيل ما حدث قال تعالى {وقال موسى} عندما أمر بتبليغ الرسالة {يا فرعون إني رسول من رب العالمين} بما فيهم أنت أيها الملك وهذا بمثابة إنكار على فرعون في دعوى الربوبية ووقف له عند حد الملكية {حقيق على} بتخفيف الياء أي جدير بي وقرئ «حقيق عليّ» بتشديد الياء بمعنى واجب عليّ {أن لا أقول على الله إلا الحق} إذ لولا علمه تعالى بأمانتي ما اختارني للرسالة فلا يمكنني أن أكذب عليه ولا تتصوروا أن يبعث الله رسولًا كاذبًا ولأجل أن أثبت لكم رسالتي عنه {قد جئتكم ببينة} أي معجزة ظاهرة لا تقبل الجدل {من ربكم} الذي يأتي بالمعجزات وخوارق العادات فإذا آمنتم برسالتي {فأرسل معي بني إسرائيل} أي أطلق سراحهم من أسرك ليهاجروا معي من أرضك إلى حيث يأذن ربهم {قال} فرعون {إن كنت جئت بآية} من عند من أرسلك كما تزعم {فأت بها} أي أظهرها أمامي {إن كنت من الصادقين} في دعوى الرسالة {فألقى} موسى {عصاه} التي كانت بيده {فإذا هي ثعبان} وهو الذكر العظيم من الحيات {مبين} أي ظاهر لا يشك أحد من أنه ثعبان حقيقي يسعى ويتنقل من مكان لآخر {ونزع يده} من جيبه {فإذا هي بيضاء} بياضًا ناصعًا {للناظرين} من فرعون وملئه ومن كان معه في ذلك الحين وقد وصف الله بياضها في سورة النمل والقصص بقوله: {من غير سوء} أي من غير مرض يعني بياضًا غير بياض البرص {قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم} أي أنهم لم يستطيعوا إنكار ما شهدوا فلجئوا إلى تعليل هذه الظاهرة بأنها نوع من أنواع السحر الذي كان رائجًا في ذلك الحين وهو عبارة عن أعمال غريبة من التلبيس والحيل تخفى حقيقتها على الناس لجهلهم بأسبابها ولذا زعموا بأنه على علم تام بهذا الفن وأنه ادعى الرسالة لأنه {يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون} بمعنى أنه يريد أن يستميل بسحره الشعب