الفرص والسعي إلى الهجرة إليها حتى يبلغها على طول المدى وما دام في العمر متسع {والعاقبة للمتقين} أي أن ما ذكر من أن الاستعانة بالله والصبر سيؤدي بكم إلى أن ترثوا الأمر في تلك الأرض لا يعني أنكم ستظلون فيها إلى الأبد في أمن واطمئنان وسعادة وهناءة وما دمتم أهل قوة وبأس كما يتوهم فرعون بل إن لله سنة لن تخلف هي أن العاقبة في ميراث الأرض ودوام السلطان لا يكون إلا للمتقين أي الذين يتقون الله بإقامة شرعه والسير على سننه في نظام خلقه من الاتحاد وجمع الكلمة وإقامة العدل والصبر على المكاره والاستعانة بالله وخصوصًا في الشدائد وهذا ما أيدته التجارب من عهد موسى إلى عصرنا هذا {قالوا} أي قال بنو إسرائيل لموسى {أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} أي أن أول كفر صدر منهم أن قالوا ما هي الفائدة التي جنيناها من ورائك أو أين هي سلطة الله التي أرسلك لإنقاذنا من ظلم فرعون وقد أعاد حكمه السابق علينا فلم يدرك موسى حكمة الله في هذا فراح يروضهم على الصبر ويمنيهم بنصر الله إذ {قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم} ولم يقطع لهم وعدًا بالنصر لأنه لم يوح إليه بذلك أو لئلا يتكلوا على الله فلا يعملوا بما يأمرهم به من الهجرة عند اللزوم {ويستخلفكم في الأرض} التي وعدكم بها {فينظر كيف تعملون} بعد استخلافه لكم هل تتجلى لكم قدرته فتخضعوا لأوامره وتشكروا نعمه وتصلحوا في الأرض فيكون لكم من الله ما تريدون أن تكفرون بكل ذلك فتنجبروا وتطغوا وتشيعوا الفساد في الأرض فيصيبكم ما أصاب من قبلكم من أنواع العذاب في الدنيا والآخرة.
وظل موسى وقومه على مضض ينتظرون ما سيقضي الله به في شأنهم وماذا سيفعل الله بفرعون وملئه وكيف السبيل إلى خلاصهم من الذل والاستعباد إذ أنه كان يسخرهم في ضرب اللبن ونحت الأحجار وبناء الأهرامات ولما كانت الغاية من إرسال الرسل هي هداية الناس ودعوتهم إلى الإيمان بالله والعمل الصالح العام فقد قضت سننه في خلقه أن لا يعاجل العصاة بالعذاب بل يترك لهم فرصة كافية للتدبر والرجوع إلى سبيل الحق وأن لا يهلك فرعون وملؤه تلك الفئة الباغية التي كانت تستعبد بني إسرائيل بل أهل مصر أيضًا ولذلك ترك موسى يعمل على نشر دعوته بين المصريين دون معارض وأخبرنا بما كان منه جل وعلا في هذا الأمر ليأخذ الناس في الأجيال المقبلة عبرة وعظة وإدراكًا لما عند الله من أنواع العذاب التي يبتلي بها عباده والتي تدل على غضبه جل وعلا ونقمته ليؤوبوا إلى رشدهم ويرجعوا إلى ربهم بالتوبة والندم والإقلاع عن