الصفحة 890 من 1760

السيئات فقال {ولقد أخذنا} أي عذبنا {آل فرعون} آل الرجل أهل بيته وأقاربه الذين يضافون إليه ويطلق على جميع أتباعه الذين يأتمرون بأمره من عامة الشعب الذين خلقهم الله أحرارًا وكرمهم بالعقل وأرسل الله لهم الرسل ليحرروهم من نير العبودية لغير الله فلم يلتفوا حولهم ولم يناصروهم لإعلاء كلمة الله والضرب على يد الظالمين {بالسنين} جمع سنة وهي بمعنى الحول ويراد بها العام المجدب الذي تنحبس فيه الأمطار فلا يطلع العشب ولا تجد الأنعام مرعى فيموت أكثرها من الجوع والعطش {ونقص من الثمرات} أي من محاصيل الأرض التي تنبت عن طريق الأنهر والآبار فالفدان الذي يعطي عادة ثلاثة أرادب من القمح لا يعطي غير أردب واحد أو أردبين دون أن يكون هناك نقص في الماء مما يدل على أن هذا التفاوت إنما هو عائد لقدرة الله وأنه لا شك ناشئ عن سخطه جل وعلا {لعلهم يذكرون} أي لعلهم يدركون مبلغ عجز غير الله عن كشف ضرهم وزيادة محاصيلهم فيؤمنوا بالله ورسوله فإن الشدائد من شأنها أن تحمل الإنسان مرغمًا على التوجه إلى الله بالدعاء والضراعة كما هي سنة الله في خلقه ومتى بلغ الضلال من الناس أن ينسوا الله حتى في أوقات الشدائد فذلك هو منتهى الضلال وهكذا كان شأن آل فرعون إزاء موسى عليه السلام إذ لم تؤثر فيهم هذه العبر ولم تدعهم إلى الإيمان بقدرة الله وسلطانه {فإذا جاءتهم الحسنة} من خصب ورخاء لا بد منه لسعادة البشر في هذه الحياة {قالوا لنا هذه} أي أن تلك نتيجة سعينا واجتهادنا وهذا أمر طبيعي وحتى من حقوقنا فلا يشكرون الله عليها {وإن تصبهم سيئة} أي قحط أو آفة من الآفات تقضي على الزرع في وقت من الأوقات لا يشعرون أنها بأمر الله أو نتيجة سخطه فلا تحملهم على التوبة والرجوع إليه بل إنهم {يطيروا بموسى ومن معه} التطير بمعنى التشاؤم ذلك أن العرب كانت تتوقع الخير والشر مما تراه من حركة الطير فإذا طارت من جهة اليمين تيمنت ورجت وقوع اليمن والخير وإذا طارت من جهة الشمال تشاءمت وتوقعت شرًّا، وهذه خرافة لا يسلم بها العقل فما علاقة سير الطير بمصالح العباد وهكذا فإن آل فرعون كانوا إذا أصيبوا بالقحط أو جائحة سماوية نسبوها إلى وجود موسى ومن معه عندهم وقالوا ما جاءنا موسى وجاء معه الخير، وإن مما يؤسف له أن المسلمين في عصرنا هذا أصبح دأبهم كدأب آل فرعون لا يتعظون بما يصيبهم من قحط وما تبلى به زراعتهم من آفات كتسرب الجراد أو دودة القطن إلى محاصيلهم ويحاولون مقاومتها بمختلف الوسائل إلا وسيلة واحدة فقط هي الرجوع إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت