غافلين أي أن ما أصابهم لم يكن إلا نتيجة التكذيب بآيات الله والغفلة عن مراميها وعدم الاتعاظ بما فيها وها نحن أولاء نرى أمثال هذا العذاب يحيق بأطراف المعمورة من طوفان وزلازل وأمراض فتاكة مما ينذر الناس بشر مستطير هم عنه غافلون وقد فرض الله على كل مسلم يتلو كتاب الله أن يتدبر هذا ويذكر الناس به حيث قال تعالى: {وذكر بالقرآن من يخاف وعيد} و {الذكرى تنفع المؤمنين} ولا من سامع أو مجيب بل لم يعد في العالم مذكر أو متعظ حتى لقد أصبح من المسلمين في عصرنا هذا من هو أشد ضلالًا وكفرًا وأكثر بعدًا ونفورًا من الله من فرعون وقومه الذين كانوا برغم كفرهم يلجئون إلى موسى يسألونه الدعاء لهم ويعاهدونه على التوبة في ساعة الشدائد ثم ينكثون أما الآن فلا شيء من هذا بل الكل إنما يحاول أن يتغلب على الآفات والأمراض بما كشفه العلم من مخترعات يؤمنون بنفعها أكثر من إيمانهم بقدرة الله على رفعها عنهم ويعدون من التخريف والرجعية الدعوة إلى خوف الله واللجوء إليه في الشدائد. نسأل الله اللطف بنا وألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منها.
بعد أن أخبرنا الله بما انتهى إليه أمره في فرعون وملئه من حلول نقمته بهم وإغراقهم في اليم نتيجة تكذيبهم لآياته وعقابهم عنها انتقل إلى ذكر ما كان من أمر موسى وقومه فقال {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون} أي أعطينا اليهود الذين كان فرعون يذلهم إذلالًا عظيمًا ويقتل أبناءهم ويستحي نساءهم ويأبى عليهم الهجرة بأمر ربهم مع موسى {مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها} جنح المفسرون أن المراد بها بلاد الشام من الفرات إلى العريش وروى الليث بن سعد أنها أرض مصر التي كان فيها بنو إسرائيل وعندي أن المراد أرض الله من شرقها لغربها أي أنه تعالى أراد لذلك الشعب الذي كان مستعبدًا في قطعة ضيقة من الأرض لا يسمح له بتجاوزها إلى حيث أمر الله أن ينتشر في سائر البلاد الكثيرة الخيرات كأوربا وأمريكا يجني ثمارها ويتحكم في مقدراتها وإن لم يكن له دولة ولا سلطان، ومصداقًا لهذا انتشر اليهود في سائر البلاد وغدوا ملوك المال وأصحاب النفوذ الفعلي حتى على أعظم الدول كأمريكا وإنجلترا وفرنسا وغيرها وهذا من أعظم معجزات القرآن {وتمت كلمة} وقرئ «كلمات» {ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} أي ونفذت كلمة الله ومضت نعمته على بني إسرائيل تامة كاملة بسبب صبرهم الطويل على ظلم فرعون ليعلم من هذا سنة من سنن الله في أن جزاء الصابرين يبقى أثره حتى في أولادهم