ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى لما غيره من المرسل حتى نبينا عليه الصلاة والسلام فقد كان ينزل عليه جبريل بالوحي ويقول إن الله يأمرك بكذا وكذا. ويحتمل أن يكون الاصطفاء بفضيلة الجمع بين الرسالة والكلام معًا مما لم يكن لأحد من الرسل وقد جاء في الأخبار أن بني إسرائيل قالوا يا موسى بم شبهت صوت ربك قال إنه لا شبه له ورُوِيَ أن موسى لما كلمه ربه ثم سمع كلام الآدميين مقتهم لما وقر في مسامعه من كلام الله جل وعلا والمعنى فما يكون لك أن تطمع بأكثر من هذا {فخذ ما آتيتك} أي ما أعطيتك من شرف الرسالة والمكالمة {وكن من الشاكرين} أي لا يضق صدرك لمنعك من الرؤية وأشغل نفسك بشكر ما أنعم الله به عليك وشكر ذلك لا يكون إلا بأداء واجب الرسالة {وكتبنا له في الألواح} وهي كل صحيفة عريضة معدة للكتابة فيها {من كل شيء} أي أمر من الأمور {موعظة} أي من شأنها أن تؤثر في القلوب ترغيبًا وترهيبًا {وتفصيلًا لكل شيء} من أصول العقائد والآداب والأحكام ولعلها خلاصة التوراة لقوله تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن} {فخذها بقوة} أي بإيمان قوي وعزيمة ثابتة على تنفيذ مقتضاها إذ التساهل في أوامر الله من شأنه أن يحمل الناس على التقاعس فيها وإهمالها كليًا {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} ذلك أن التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن كالقصاص والعفو مثلًا أي وادعهم إلى تفضيل ما هو أكثر حسنًا كالعفو ابتغاء مرضاة الله عن القصاص الذي فيه استيفاء للحق الخاص {سأوريكم دار الفاسقين} أي سترون عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي من آل فرعون الذين كانوا يستعبدونكم وأنجاكم الله منهم ونصركم عليهم وقد صدق الله وكان من نتيجة عدم حرص الملوك والحكام على تنفيذ أحكام الله بكل قوة، وإهمال العلماء أمر تذكير الناس بالله وتخويفهم من عواقب المعاصي والسيئات أن أهمل المسلمون اليوم العمل بكتاب الله وسنة رسوله وأصبحوا لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه بل إن البعض منهم ليعمل على محاربة الدين ونشر الإلحاد بمختلف الوسائل ولا يخاف نقمة الله ولا يبالي بعذابه فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وبعد أن أمر الله نبيه موسى أن يأخذ الألواح بقوة ويأمر قومه كي يأخذوا بأحسنها أخبره بما تقتضيه سنته تعالى في ضلال البشر بعد مجيء البينات في سائر الأديان وما يترتب على ذلك بحسب دستوره تعالى في خلقه إلى يوم الدين فقال {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض}