أي وليكن معلومًا لدى كل أحد أنه قد اقتضى نظام مشيئتي أو سنتي في خلقي بأن التكبر وهو بمعنى الاعتداد بالنفس واحتقار الناس من شأنه أن يحمل صاحبه على الغرور وعدم الإصغاء لما يلقى إليه من نصح ولذلك فإنه سوف يحتقر بطبعه كل داع إلى الحق حتى إنه ليعرض عن التدبر في آيات الله وينصرف عنها {بغير الحق} أي دون أن يكون لهم حق في ذلك التكبر على الآخرين فجميعهم عبيد الله وليس هناك ما يميزهم عن سائر البشر في الخلق والعقل فرب جاهل ذكي عنده من الوعي ما لا يوجد عند العالم الفذ، والكبرياء لا تكون إلا لله المتفضل على الجميع ومتى انصرف المتكبرون عن آيات الله وأعرضوا عنها واعتمدوا على مجرد عقولهم فالنتيجة الطبيعية لذلك أنهم يتخبطون في الحياة على غير هدى {وإن يروا كل آية} من آيات الله الكونية الدالة على وجود الله وعظيم قدرته {لا يؤمنوا بها} بمعنى لا يتوصلون بها إلى معرفة الله ووجوب القيام بطاعته بل يعتبرونها ظواهر طبيعية {وإن يروا سبيل الرشد} بضم الراء وسكون الشين وقرئ بفتح الراء والشين أي الصلاح والاستقامة الذي رسمه الله لعباده في القرآن {لا يتخذوه سبيلًا} أي لا يسيرون فيه ولا يرتضونه لأنفسهم {وإن يروا سبيل الغي} الذي نهى الله عن سلوكه {يتخذوه سبيلا} يلتزمون السير فيه بمعنى أنهم يتعمدون عصيان أوامر الله وعدم طاعته {ذلك} أي والذي يحملهم على هذا التصرف المشين إنما هو {بأنهم كذبوا بآياتنا} أي بسبب عدم تصديقهم بأن ما أنزل على الرسل إنما هو من عند الله إذ لو آمنوا بأنه من عند الله حقًّا لما كان لهم أن يقدموا على مخالفته {وكانوا عنها غافلين} بمعنى لم يصغوا إلى آيات الله ويعطوها حقها من التدبر والتفكير لاشتغالهم عن ذلك بأهوائهم وغرورهم بأنفسهم {والذين كذبوا بآياتنا} المنزلة على رسلنا فلم يؤمنوا بها ولم يهتدوا بهديها {ولقاء الآخرة} أي بما يلقاه الإنسان في الآخرة من حساب وعقاب {حبطت أعمالهم} أي ذهبت أعمالهم سدى وإن صلحت لأنه لم يقصد منها رضاء الله ونيل الثواب عليها منه {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} أي هل يمكن أن ينالوا غير الجزاء الذي قدره الله على الأعمال الخالصة لوجهه الكريم بحسب ما نص عليه في تلك الآيات.
وبعد أن سرد الله ما كان من أمر مناجاته تعالى لموسى في الموعد المحدد لها أخذ يوضح ما كان من قومه أثناء تلك الفترة فإن تأثرهم بما كانوا عليه في عهد فرعون من عبادة الأصنام الذي حملهم على أن يقولوا لموسى {اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة} ونهيهم عن ذلك ما كان ليحول دونهم