ودون الحنين إلى تلك العبادة الفاسدة فطلبوا من موسى السامري وكان رجلًا مكاشفًا على جانب من العلم أن يصنع لهم صنمًا يتقربون به إلى الله فطلب إليهم أن يجمعوا ما كان لديهم من حلي استعاره نساء بني إسرائيل من نساء المصريين قبل خروجهم من مصر ويقدموه له ففعلوا وصنع لهم من تلك الحلي عجلًا يشبه العجل (ايبيس) الذي كان يعبده المصريون وبهذا كانوا جميعًا مشتركين في الجريمة ولذا قال تعالى {واتخذ قوم موسى من بعده} أي من بعد ذهابه لمناجاة ربه {من حليهم} بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء وقرئ بكسر الحاء واللام وتشديد الياء وهي ما يتجمل به النساء من الذهب والفضة {عجلًا} أي هيكلًا على صورة العجل وهو ولد البقرة أو الجاموسة {جسدًا} هو الجسم الذي يعبر عنه بالبدن من غير روح {له خوار} صياح البقر بمعنى أن ذلك العجل الذي عمل من الحلي استحال إلى لحم ودم وصار يصيح كما يصيح البقر ولعل السر في هذا ما رُوِيَ من أن السامري رأى جبريل حين جاوز ببني إسرائيل البحر راكبًا فرسًا ما وطئ أرضًا إلا حلت فيها الحياة واخضر فيها النبات فاستعمل كشفه وعلمه في ضلال القوم وأخذ من أثر حافر فرس جبريل قبضة فنبذها في جوف هيكل العجل فتجسد وصار يخور بقدرة الله دون أن تحل فيه الحياة كما توهم بعضهم إذ لو حلت فيه الحياة لما أعجز الله أن يقول صار حيًّا ولم يقل {جسدًا له خوار} وهذا في ذاته أمر خارق للعادة لم يعهده بنو إسرائيل في الأصنام من قبل ولذا قال: {هذا إلهكم وإله موسى} الذي ذهب لمناجاته وأخذوا يوجهون إليه مختلف الأسئلة ويطلبون منه هدايتهم إلى ما يرضيه وهو لا يجيبهم وبرغم ذلك ظلوا على عبادته وقد وضح الله مبلغ جهلهم وضلالهم إذ قال {ألم يروا أنه} أي ذلك العجل المجسد {لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلًا} أي أنه فاقد لأبسط صفة من صفات الله وهي كلامه وهدايته العباد {اتخذوه} إلهًا وهم يرون أنه لا يكلمهم ولا يهديهم {وكانوا} بهذا {ظالمين} لأنفسهم بعدم تدبرهم وتحكيمهم للعقل الذي وهبه الله لهم وأخذ هارون ينكر عليهم صنيعهم ويذكرهم بما كان يدعوهم إليه موسى من وجوب توحيد الله وإطاعة أمره فلم يقبلوا نصحه وقالوا له: {لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى} فتركهم وشأنهم إلى أن عاد موسى وأمر بتحريق العجل فحرق وهناك تثبت لهم أنه لم يكن إلهًا وأن ذلك من فتنة السامري لهم، عند ذلك شعروا بخطئهم وندموا على ما فرط منهم وحكى الله ما كان منهم بعد ذلك بقوله {ولما سقط في أيديهم} أي ذلوا وعجزوا عن الدفاع عن