الصفحة 902 من 1760

أنفسهم {ورأوا أنهم قد ضلوا} أي أيقنوا بأنهم كانوا على ضلال فيما فعلوا ولم يتوبوا ولم يطلبوا الغفران بما سنه تعالى من الأعمال بل {قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين} أي أقسموا أنه لا يسعهم بعد هذا الذنب إلا رحمة الله فهي التي تحول دونهم ودون الخسران المبين في الدنيا والآخرة واكتفوا بهذا القدر فلم يفلحوا إذ العلم بالضلال والندم على الذنب والأمل في الرحمة كل هذا لا يقتضي عفو الله وغفرانه ما لم يصحب ذلك بسلوك السبيل الذي سنه الله لنيل الغفران من الإيمان والعمل الصالح.

ولما كان الله جلا جلاله يعلم ما كان من بني إسرائيل من عبادتهم للعجل أثناء مناجاته تعالى لموسى وإعطائه الألواح لم يرد أن يخفي ذلك عنه بل إنه أشعره بذلك في نهاية المناجاة إذ قال: {فإنا قد فتنا قومك} أي اختبرنا مبلغ إيمانهم {وأضلهم السامري} إذ زين لهم الشرك دون الإيمان فما أن علم موسى بهذا حتى استشاط غضبًا وعاد من فوره إلى قومه ليتبين تفاصيل ما حصل وأخبرنا الله بما كان منه بعد ذلك حيث قال {ولما رجع موسى إلى قومه غضبان} أي وهو ممتلئ بغضًا من قومه وراغب في الانتقام منهم على ما فعلوا من الضلال {أسفًا} أي حزينًا في نفسه على ما بذله من جهود من أجل إسعادهم وهدايتهم لم يقدروها قدرها ولم تصل بها إلى الغاية التي كان يرجوها لهم من الإيمان الكامل وبادر بخطابهم موبخًا ومؤنبًا {قال بئسما خلفتموني من بعدي} فقد لقنتكم التوحيد ونهيتكم عن الشرك وبينت لكم مفاسده وسوء عواقبه حين رأيتم القوم الذين يعكفون على أصنام لهم فكان الواجب عليكم أن تخلفوني باقتفاء سيرتي ولكنكم عملتم ضد ذلك إذ صنعتم صنمًا وزعمتم أنه هو إلهكم وإلهي ولست أدري ما الذي حملكم على هذا {أعجلتم أمر ربكم} العجلة طلب تقدم الشيء قبل وقته بمعنى كأنكم تستعجلون سخط الله عليكم بإصراركم على ما نهيتكم عنه {وألقى الألواح} من يده إشعارًا لهم بشدة غضبه ويأسًا من هدايتهم وإنذارًا لهم بما سينالهم من جراء عملهم، وصب جسام غضبه في خليفته هارون {وأخذ برأس أخيه} أي بشعر رأسه وبلحيته {يجره إليه} من شدة غضبه عليه وهو يقول: {يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني أفعصيت أمري} فأخذ هارون يهدئ من روعه ويناشده الإخوة أن لا يتعجل في الحكم عليه بالخطأ قبل أن يسمع دفاعه عن نفسه لئلا يشمت به أعداؤه {قال ابن أم} بفتح الميم مشددة وقرئ بكسرها على تقدير أمي وحذف ياء الإضافة ومعناه يا من خرجنا من بطن واحد لأن هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت