أدعى للعطف والرقة {إن القوم استضعفوني} فلم يلتفتوا إلى كلامي ولم يسمعوا نصحي {وكادوا يقتلونني} إذا أنا لم أكف عن نصحهم، وذلك من عظم تأثرهم بما رأوه من تطور في حال العجل واعتقادهم بألوهيته وقد عجزت عن إرجاعهم عن ضلالهم {فلا تشمت بي الأعداء} من أصحاب العجل الذين هم أعداء الله وأعداؤنا جميعًا {ولا تجعلني مع القوم الظالمين} فإني بريء منهم ومن أعمالهم وقال جوابًا على قوله: {ما منعك أن تتبعني} وفي آية أخرى {لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي} فيما إذا تركتهم وجئت إليك وهنا لم يجد موسى أمامه إلا أن يلجأ إلى الله {قال رب اغفر لي} ما وجهته لأخي من قول وفعل ليس لي فيه أي حق {ولأخي} فيما إذا قصر في ردع القوم عن الضلال خشية على نفسه من القتل {وأدخلنا في رحمتك} التي وسعت كل شيء {وأنت أرحم الراحمين} ولم يتعرض لذكر قومه لما كان يتوقعه لهم من الهلاك ولكن الله جل جلاله أوحى إليه بما يطمئنه بأنه لطف بهم فقضى عليهم بعقوبة خاصة سيطبقها عليهم وعلى أبنائهم في هذه الحياة حيث قال {إن الذين اتخذوا العجل} أي جميع من اشتركوا في صنع العجل وعبادته وزعموا أنه إله موسى بأنه {سينالهم غضب من ربهم} ومن يغضب الله عليه يضع له البغض في قلوب عباده {وذلة في الحياة الدنيا} الذي ضد العز وهو أمر يشعر به الإنسان في نفسه فيخاف من كل شيء ويخضع لكل عزيز ولا يعتمد على نفسه عند الشدائد والنائبات بمعنى أن يجعل الله ذلك طابعًا خاصًّا بهم، وهكذا كان وأصبحت الذلة طبعًا ثابتًا فيهم حتى إنه عندما أمرهم موسى بدخول الأرض المقدسة: {قالوا يا موسى إن فيها قومًا جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون * قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين * قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} وما زالوا أذلة مشردين حتى يومنا هذا في سائر أنحاء المعمورة مبغوضين من سائر الأمم الأمر الذي حمل «هتلر» زعيم ألمانيا النازية على إبعادهم من أراضيه واضطرت بريطانيا إلى إسكانهم في فلسطين ثم منحتهم حق تأسيس وطن قومي لهم من غير حرب وساعدتها أمريكا وغيرها من الدول على إقامة حكومة وهمية أيدوها بأساطيلهم ومعداتهم الحربية ليحموها وهم خائفون وما زالوا يمدونها بأنواع الإمدادات ويقذفون إليها بيهود العالم تحت ستار الهجرة