قد أجمعوا على وجوب الاعتقاد بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أميًا أي متصفًا بها حتى وفاته فهو جاهل حتى أن رجلًا قال إنه كتب في صلح الحديبية فلم يحسن الكتابة فقال عنه أهل نيسابور أنه زنديق ففصلت لهم أنه ليس المراد بالأمية الجهل بل إنها بمعنى عدم تلقي العلم على يد أستاذ كما هي العادة أما نبينا صلى الله عليه وسلم فقد كان أميًا حقًّا قبل الرسالة أما بعدها فإنه قد دخل مدرسة تلقي العلم فيها ونال شهادة العالمية ونال إجازة التدريس، وبذلك انتفت عنه الأمية فبهت الإمام من قولي وقال من أين لك كل هذا قلت من كتاب الله وألقيت فيهم محاضرة قلت فيها إن مدرسة الرسول غار حراء ومدرسه هو جبريل الذي عهد إليه تعالى بتعليمه إذ قال: {علمه شديد القوى} أي أنه معلم له قوة ومقدرة على التعليم لا إنه قوي العضلات وقد جاءه فعلًا في غار حراء وقال: «اقرأ» قال: «ما أنا بقارئ» فغطه حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله وقال: «اقرأ» قال: «ما أنا بقارئ» فغطه الثالثة حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله وقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم} ومعنى هذا أني آمرك بالقراءة باسم ربك الخالق ولا تتعجب من طلبي هذا فإن الذي خلق الإنسان من علق لا يعجزه أن يجعل من الأمي قارئًا في أقل من لحظة وربك الأكرم الذي علم الناس القراءة عن طريق الكتابة بالقلم لا يعجزه أن يعلمك القراءة من غير كتابة ولا قلم، والذي علم الإنسان ما لم يعلم لا يعجزه أن يجعل منك عالمًا بكل شيء ومعلمًا لما يريد أن يعلمه لعباده من سائر العلوم بوضع أسسها وطرق استعمالها، ولم تكن تلك الغطات التي كان يغط بها جبريل الرسول صلى الله عليه وسلم إلا وسائل عملية يوحى بواسطتها إلى نفسه ما أوحى الله به إليه ليعلمه ما لم يكن يعلم، وقد أشار الله إلى ذلك بقوله فيما بعد: {إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى * ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى} أي فأوحى جبريل إلى محمد ما أوحى به الله إليه بل لقد تفضل الله جل جلاله فأخبرنا بأنه تعالى هو المعلم الحقيق لنبيه حيث قال: {وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا} ومن تلك اللحظة انتفى عنه الجهل وأصبح عالمًا في مقدمة العلماء العظام بشهادة رب العزة الذي قرر في كتابه الكريم بأن جبريل ذلك المعلم القدير على التعليم إنما كان يوحي من قبله تعالى إلى عبده وأنه جل وعلا هو الذي منحه العلم بكل ما لم يكن يعلم من سائر العلوم بوسيلة غير القراءة والكتابة