الذين تتوقف عليهما معرفة سائر العلوم وبدونهما لا يحصل التعليم عادة. ألا وهي وسيلة الحفظ لكل ما يلقيه إليه ربه حيث قال تعالى: {سنقرئك فلا تنسى} فكان صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن مئات المرات دون أن يغلط فيه أو تشتبه عليه آياته وكان يصدر في كل شيء عن علم لدني غير مكتسب وهدى من ربه إلى سواء السبيل. أجل من تلك اللحظة وبمقتضى شهادة الله انتقل النبي محمد إلى مصاف العلماء في كل شيء إذ العلم والجهل ضدان لا يجتمعان كما أن التعليم ينفي الأمية ثم أنه تعالى اصطفاه صلى الله عليه وسلم لأن يكون أعظم معلم للناس أجمعين إذ قال: {كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} وهذه شهادة له بالعالمية وإجازة بالتدريس ولا شك بعد هذا كله أن من يرمي الرسول صلى الله عليه وسلم بالجهل فإنما يرميه بمنتهى النقائص وفي هذا إيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيما إيذاء وقد قال تعالى: {والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم} وأما من قال عنه من أهل نيسابور إنه زنديق فلأنه زعم أن النبي كتب ولم يحسن الكتابة مع أن الرسول لم يكتب ولو كتب لأحسن الكتابة فما كان من الحاضرين في نهاية محاضرتي إلا أن تألبوا على الإمام يوجهون إليه قارص الكلم ويحكمون بجهله وأقبلوا يهنئونني على انتصاري لرسول الله والقضاء على هذه الفتنة ونشروا محاضرتي في جميع الصحف آنذاك وخرجت ظافرًا منصورًا بمدد من الله جل وعلا.
بعد أن أمر الله نبيه أن يعلن عن نفسه أنه هو ذلك الرسول الذي بشرت برسالته الكتب السابقة وأن يدعو الناس إلى الإيمان بالله واتباعه أخذ ينبهه إلى سنة من سنن الله في طبائع الأمم وهي أنه لا يخلو أفرادها من الصالح والطالح حتى أن بني إسرائيل أنفسهم الذين عدد الله سيئاتهم برغم غضب الله عليهم وطبعهم بطابع الذلة من هذه الحياة لا يخلو أفرادها من أقلية ضئيلة صالحة حيث قال {ومن} هي للتبغيض والقلة {قوم موسى أمة يهدون} الناس {بالحق} الذي جاءهم من عند الله {وبه} أي باهتدائهم بهدى الحق {يعدلون} أن يكونوا عادلين منصفين وهذا كما قال تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائمًا} ولما كانت الأقلية من قوم موسى هي التي تهدي بالحق وبه تكون عادلة أصبحت الأكثرية منهم ضالة ولذا بسط الله السبب في ضلالهم وهو كفرانهم لنعم الله عليهم التي كان من واجبهم أن يشكروها وعددها بقوله: {وقطعناهم} بتشديد الطاء وقرئ بتخفيفها