الله ونيل السعادة الحقة في الحياة الأخرى الخالدة وهذا ما لا يكلفه أدنى مشقة أو إجهاد {فاقصص} أيها الرسول {القصص} من حال ذلك الرجل المشابهة حاله لحال هؤلاء المكذبين بما جئت به من الآيات البينات {لعلهم يتفكرون} في أمرهم وينظرون في مدى انطباق هذا المثل على أنفسهم فيتوبوا إلى رشدهم ويرجعوا إلى ربهم فينالوا رضوانه {ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون} أي قبحت صفتهم في الصفات وما اختاروه لأنفسهم من الإعراض عن التفكير في آيات الله وهم بذلك يظلمون أنفسهم بحرمانهم من الاهتداء بها وما يترتب على ذلك من عدم تذوقهم طعم السعادة في الدارين.
بعد أن أخبر الله رسوله بأنه قد فطر الناس على الإيمان وآتاهم من العقل ما يصدهم عن الكفر وأمره أن يصور لهم من يتجرد عن فطرته ولا يحكم عقله في تدبر آيات الله العقلية والكونية للاستدلال بها على وجوده والإيمان به بل يحصر همه في أمر دنياه فقط بصورة الثعبان الذي ينسلخ من جلده والكلب الذي يلهث على الدوام بسبب ومن غير سبب، أخذ ينبهه إلى حقيقة يجب أن يؤمن بها الناس جميعًا وهي أن الهدى والضلال كلاهما بتقدير الله وخاضعان لسنن هو واضعها فلا ينبغي أن يتصور إنسان أنه في حال ضلاله وعصيان أمر ربه قد استطاع أن يتغلب على قدر الله ويخرج عن نظام مشيئته كلا ثم كلا بل هو في حال استعماله لمواهبه الفطرية والعقلية والحسية فيما يرضي الله أو يبغضه إنما يتمتع بنعمة الحرية التي منحها الله له والتي نص عليها سبحانه وتعالى في القرآن بقوله: {إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا} أي أنه تعالى هو الذي هدى الناس بمعنى أرشدهم إلى طريق الهدى والضلال معًا ولم يخف عنهم شيئًا من ذلك وحبب إليهم سلوك سبيل الهدى وحذرهم من فتنة الشيطان الذي يزين لهم سبيل الضلال وجعل لهم من أنفسهم ما ينبههم إلى ما هم عليه من هدى وضلال وبمقتضى هذا فإن {من يهد الله} أي من وجد نفسه منشرح الصدر للإيمان متبعًا للقرآن الذي جعله الله هدى للمتقين {فهو المهتدي} أي فهو الذي يعتبر بحسب سنن الله ودستوره في خلقه مهتديًا {ومن يضلل} أي من وجد نفسه ضيق الصدر من سماع آيات القرآن فلم يتبع هداه بل إنه يؤثر عليه اتباع وساوس الشيطان {فأولئك هم الخاسرون} أي الضالون الذين خسروا الصفقة من الأساس بعدم طلبهم الهدى فكان نصيبهم الضلال ولأجل أن لا يفهم الناس من هذا أن الله يخلق الضلال في نفوس فريق من عباده ويجعله لهم طبعًا