{سيجزون ما كانوا يعملون} أي سيلقون جزاء عملهم هذا عن قريب في الدنيا قبل الآخرة ولعل أقرب جزاء لهم أن لا يستجاب لهم والله أعلم.
بعد أن أخبر الله جل جلاله أنه ذرأ لجهنم كثيرًا من الإنس والجن ووصفهم بما وصفهم به من إفسادهم لفطرتهم وتعطيلهم لمواهبهم وأخبرهم بالعلاج الشافي الذي يستطيعون استعماله لإزالة الغفلة عن قلوبهم ومشاعرهم ليكونوا من المهتدين قفا على ذلك بذكر من عداهم فقال {وممن خلقنا} ولم يقل ذرأنا إشارة إلى أنه تعالى لم يذرأهم للجنة وإنما هم على أقسام منهم المهتدون ومنهم المكذبون ومنهم أصحاب شبه فصلهم بقوله {أمة} أي جماعة واحدة كبيرة مؤلفة من شعوب وقبائل كثيرة العدد تجمع بين أفرادها رابطة واحدة هي أنهم {يهدون بالحق} أي يجدون في أنفسهم رغبة في هداية الناس بكلمة الحق ويدلونهم على الاستقامة {وبه} أي وبتمسكهم بالحق {يعدلون} أي يكونون دائمًا في جانب الحق يقضون به ويجاهدون لأجل نصرته بكل ما يملكون قال صلى الله عليه وسلم عند تلاوة هذه الآية: «هذه أمتي بالحق يحكمون ويقضون ويأخذون ويعطون» وفي رواية أنه كان يقول إذا قرأها: «هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها» يعني قوم موسى إذ قال تعالى: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} وقال صلى الله عليه وسلم: «لتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة» وقال سيدنا علي كرم الله وجهه عند تلاوته هذه الآية: «فهذه هي التي تنجو من هذه الأمة» وصرح بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «لا تزال من أمتي طائفة على الحق إلى أن يأتي أمر الله» ورُوِيَ «لا تزال من أمتي قائمة بأمر الله وهم ظاهرون» أما غير هؤلاء ممن أرسل لهم الرسول صلى الله عليه وسلم من الناس كافة حتى قيام الساعة فقد فصل الله ما قضت به مشيئته في أمرهم بقوله {والذين كذبوا بآياتنا} المنزلة على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم سواء بجحودها أو عدم الاعتراف بها أو بعدم اتباعها والائتمار بأوامرها والاتعاظ بما فيها {سنستدرجهم} الاستدراج هو إدناؤهم من الشيء درجة درجة شيئًا فشيئًا في المراقي والمنازل والمعنى أنه تعالى سيدعهم يسترسلون في غيهم وضلالهم {من حيث لا يعلمون} شيئًا في عاقبة أمرهم؟ نتيجة تكذيبهم لتلك الآيات وجهلهم بما جاء فيها من النذر إذ يكونون بعملهم قد جنوا على أنفسهم {وأملي لهم} الإملاء: الإمداد في الزمن والإمهال والتأخير يقال أملى للبعير إذا أرخى له الزمام ووسع له في القيد ليتسع له المرعى،