والمعنى أنه تعالى قد قضت مشيئته أن يمهل للمكذبين بآيات الله حتى يأخذوا حظهم من الشهوات فلا يعكر صفوهم منها كرمًا منه لعلهم يثوبوا إلى رشدهم ويذكرون نعمة الله عليهم ولما كان هذا الصنيع من شأنه أن يوقع الغافلين في العذاب فيعد من باب المكر والاحتيال الذي لا يصدر من الله المتصرف في عباده كما يشاء فليس هناك ما يدعوه إلى الاحتيال على عبيده قال: {إن كيدي} أي تدبيري هذا لا يعد كيدًا فالكيد إنما يجري في الخفاء بقصد الغدر قد يخطئ وقد يصيب أما كيدي فإنه {متين} أي قوي لا يخطئ لأنه قائم على أسس وسنن مطردة وتدابير محكمة أعلنها سبحانه للناس ليكونوا على بينة منها، وحذرهم من عواقبها حيث قال تعالى في سورة الأنعام: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} .
{أولم يتفكروا} أي المكذبون بآيات الله فيما أخبروا به من أمر هذا الاستدراج وما يعقبه من عذاب {ما بصاحبهم من جنة} أي ليس بالرسول الذي كذبوا ما جاء به من الآيات شيء من الجنون الذي كانوا يرمونه به كما حكى الله ذلك عنهم بقوله في سورة الحجر: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون * لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين} .
{إن هو} أي الرسول بما جاء به من القرآن {إلا نذير مبين} أي منذر موضح ومفصل لما قضت به مشيئة الله في حق المكذبين وغيرهم خصوصًا وإنه إنما يخبر بما أوحى به إليه من سننه في خلقه، ودلائل الكائنات جميعًا شاهدة على صدقه، وأن الله تعالى حكيم في جميع تصرفاته {أولم ينظروا} بنظر تأمل واستدلال {في ملكوت السماوات والأرض} أي مجموع العالم الذي يدل على وجود خالق حكيم مدبر له ولولا ذلك لاختل نظامه وفسد حاله {وما خلق الله من شيء} فكل ما في الوجود يوحي بوجود خالق لذلك الشيء من العدم، وأنه لم يخلق شيئًا عبثًا ولا يمكن أن يترك الناس وشأنهم من غير نظام يحول دونهم ودون الفوضى واعتداء بعضهم على بعض فما بالك بمخالفة رب العالمين الذي إليه يرجعون {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم} أي أو لم ينظروا ويتفكروا فيما عسى أن يكون عليه الشأن من اقتراب أجلهم ورجوعهم إلى الله بسوء أعمالهم فيحل بهم ما أنذروا به فأجل الأفراد مهما طال فهو قصير وما يرونه من نظام الكون وخلق الله لكل شيء كاف لحملهم على تصديق ما جاء به الرسول من إنذار بالجزاء في الآخرة فلا ضرر عليهم من