الصفحة 929 من 1760

الاحتياط لاتقاء ذلك منذ الآن ولئن أصروا على التكذيب بكل هذا {فبأي حديث بعده يؤمنون} أي فبأي دليل أو برهان يمكن أن يقتنعوا بأنهم قد ضلوا وفق سنن الله التي رسمها للضلال وأن {من يضلل الله} من المكذبين بآياته وعدم الاهتداء بهديه {فلا هادي له} أي فلا سبيل إلى هدايته لأن الهدى لا يكون إلا من الله وقد جعل له سننًا لا تخطئ فمن سار عليها اهتدى ومن أعرض عنها فقد قضت مشيئة الله ألا يردعهم عن الإعراض بالقوة بل يدعهم يسلكون سبيل الضلال بإذن منه {ويذرهم} بفتح الذال وضم الراء وقرئ بجزم الراء ويتركهم وشأنهم {في طغيانهم} الطغيان الغلو في الكفر والإسراف في الظلم والمعاصي {يعمهون} أي يتحيرون ماذا يأخذون وماذا يدعون إذ تتفتح أمامهم سبل الضلال ويستحوذ عليهم الشيطان يزين لهم كل سوء وبهذا ينتفي ما يتصوره البعض من أن الله هو الذي يجبرهم على الضلال اضطرارًا لا خيار لهم فيه.

وعلى ذكر ما جاء في الآيات السابقة من استدراج الله للمكذبين وأنه تعالى سيذرهم في طغيانهم يعمهون وما دعاهم إليه من التفكير فيما {عسى أن يكون قد اقترب أجلهم} ليكون ذلك باعثًا لهم على المسارعة إلى التوبة والإصلاح أخذ الناس يتساءلون إلى متى يكون ذلك الاستدراج ومتى يحين موعد الحساب والعقاب فقال تعالى {يسألونك} أيها الرسول {عن الساعة} التي سينقرض فيها العالم ويأتي وقت الحساب قائلين لك {أيان مرساها} أي متى زمن وقوعها ذلك لأن الحياة الدنيا حركة دائمة ووقوفها هو انتهاء هذا العالم {قل} أيها الرسول {إنما علمها عند ربي} لا يعلم بذلك أحد سواه وقد أرسلت بشيرًا ونذيرًا لا مخبرًا للغيبيات {لا يجليها} أي لا يكشف حجاب الخفاء عنها {لوقتها} المحدود عند الله {إلا هو} إذ لم يعلم سبحانه أحدًا من خلقه لا ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا {ثقلت في السماوات والأرض} أي ثقل وقعها وعظم أمرها في السموات والأرض على أهلها من الملائكة والإنس والجن لأن الله قد أخبرهم بأهوالها ولم يشعرهم بميقاتها فهم جميعًا يتوقعون قيامها في كل وقت ولا يدرون متى يفاجئون بها وقد قال الله عنها صراحة إنها {لا تأتيكم إلا بغتة} أي فجأة وعلى حين غفلة وعلى انتظار وقد ورد في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يبيعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة والرجل يليط حوضه فلا يسقيه ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها» والمعنى أنها تبغت الناس وهم منهمكون في أمور معاشهم المعتادة يسألونك كأنك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت