أمر الله رسوله أن يفهم الناس حقيقة شخصيته ويحدد لهم مهمته فقال {قل} أيها الرسول للبشر كافة {إنما أنا بشر مثلكم} في صفاتي وغرائزي وإنما أمتاز عليكم بأنه {يوحى إلي} ولذلك فإني {لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا} أي ليس لي من القدرة الشخصية على نفع نفسي أو ضرها {إلا ما شاء الله} إلا في حدود ما قضت مشيئة الله أن تؤدي بي إلى مزاولة أسباب النفع والضر وفق سنن الله التي قدرها لذلك {ولو كنت أعلم الغيب} أي لو أن الله عندما اصطفاني لرسالته منحني العلم بالمغيبات فضلًا عن علم الساعة التي اختص بها سبحانه {لاستكثرت من الخير} لنفسي من كل ما يرغب الناس فيه من المنافع المادية والمعنوية كالمال والعلم {وما مسني السوء} أي ولمنعت السوء عن نفسي فلم يشج وجهي ولم تكسر رباعيتي في غزوة أحد ولم أشك المرض قط. {إن أنا إلا نذير وبشير} أي وإنما مهمتي محصورة في تبليغ رسالة الله وتنبيههم إلى مواضع الزلل وإنذارهم بمغبته وإشعارهم بما يجلب لهم السعادة في الدنيا والآخرة ووعدهم بما وعد الله به المتقين من وافر النعم وما يشملهم به تعالى من واسع رحمته وأترك لهم الحرية في اختيار ما يشاءون دون أن يكون لي سلطان عليهم أو وسيلة لنفعهم أو ضرهم ما دمت عاجزًا عن نفع نفسي أو ضرها {لقوم يؤمنون} بالله وينتفعون بما جاء من عنده أما من لم يؤمن بالله وكذب بما جاء من عنده فلست مكلفًا بأن أتجاوز حدود الإنذار وأرغمه على الاستفادة بهذا القرآن الذي بين يدي. وإن مما يؤسف له أن الكثير من الناس لا يزال يعتقد أن للرسول صلى الله عليه وسلم بل ومن دونه ممن سموهم أولياء وفرضوا لهم على الله مكانة أشبه بمكانة الوزراء والجلساء من ملوك الدنيا المستبدين من شأنها أن تمكنهم من جلب النفع أو منع الضر عنهم ولذلك نراهم يلجئون إليهم في الشدائد ويلتمسون منهم المدد والكرامات بالرغم مما يسمعونه من أمر الله لنبيه وأشرف خلقه في هذه الآية من وجوب براءته من كل أمر قد ينسب إليه من سلطة غيبية أو نفوذ خاص يميزه عن غيره من سائر البشر، وإذا كان الله تبارك وتعالى قد شرفه صلى الله عليه وسلم بالرسالة فليس معنى هذا أن له عنده من الجاه ما يؤثر في حكمه أو يغير ويبدل في مشيئته بحيث يشركه في جميع تصرفاته أو يطلعه على كافة ما في علمه تعالى كما يزعم البوصيري من أئمة الصوفية في بردته إذ يقول:
@وإن من جودك الدنيا وضرتها