الصفحة 939 من 1760

وكيف يطرأ الشرك بالله عليهم عن طريق كفرانهم بنعم الله واعتمادهم على الأسباب دون المسبب فقال {هو} أي الله الذي أرسلني لإنذاركم {الذي خلقكم} جميعًا {من نفس} وهي كما قدمنا مخلوق خفي قائمة بنفسها تصعد وتنزل وتتصل بالجسم وتنفصل عنه دون أن ترى شأنها في ذلك كشأن سائر المخلوقات التي تسبح في هذا العالم غير المنظور وقد فصلنا أمرها في الصفحة 32 من الجزء الثالث من التفسير {واحدة} ذلك أن كل خلية من الخلايا التي يتكون منها الجسم الحي لا بد أن تنطوي على حويتين ذكر وأنثى فإذا لم يجتمعا لم ينسلا {وجعل منها} أي من هذه النفس المتحدة {زوجها} الزوج كل واحد معه آخر من جنسه يقال للاثنين «هما زوجان» بمعنى ثم أخرجناهما إلى الدنيا نوعين ذكر وأنثى كما قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} وهكذا سائر أجناس الأحياء كما قال تعالى: {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} والحكمة أو الغاية من هذا بينها الله بقوله {ليسكن إليها} أي ليطمئن ويرتاح كل منهما إلى زوجه وينسى جميع همومه أثناء ذلك الاجتماع {فلما تغشاها} معنى الغشاء الغطاء الذي يستر الشيء من أعلاه أي فلما أصبح الرجل كالغطاء للزوجة {حملت حملًا خفيفًا} أي علقت منه بشيء بسيط لا تشعر به هو الحوينة المنوية {فمرت به} أي فمضت به تحمله وهي مستمرة في أعمالها وقضاء حاجاتها من غير مشقة إلى قرب ميلاده {فلما أثقلت} أي شعرت بالتعب عندما كبر الجنين في بطنها أخذ الزوجان يفكران فيما عسى أن يكون نوع المولود وما هي أوصافه وليس لهما من يد في صنعه وتركيبه {دعوا الله ربهما} أي أنهما بحكم الفطرة لا يسعهما إلا الاعتراف لله بالربوبية ويتوجهان إليه بالدعاء قائلين {لئن آتيتنا} مولودًا {صالحًا} للحياة معنا لا نقص في خلقه ولا فساد في تركيبه {لنكونن من الشاكرين} لك هذه المنة أبدًا فأنت الذي تهب له الحياة وأنت الذي تملك حق تصويره بأحسن صورة {فلما آتاهما صالحًا} أي فلما استجاب الله دعاءهما وجاءهما المولود كما يحبون {جعلا له شركاء} وقرئ «جعلا له شركا» أي اتخذا من أنفسهما شركاء لله {فيما آتاهما} الله إذ يقول كل من الرجل والمرأة أنه لولاه لما وجد الولد ونسيا أن الله وحده هو خالق النفس من العدم وهو الذي جعل منها زوجها وكونها في داخل الأرحام من طور إلى طور وصورها كيف يشاء واستجاب لدعائهما إذ منحها الحياة في الدنيا ولو لم يشأ ذلك سبحانه لأخرجه ميتًا {فتعالى الله عما يشركون} أي فترفع الله عن مؤاخذة البشر عن هذا الشرك الذي هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت